كتاب السير - الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٩٢قال الربيع فقلت له أتوفيق الله وتسديده وفضله ومنّه على أبي بكر وعمر كتوفيقه وتسديده وفضله ومنّه وإحسانه على أبي جهل، قال:لا والله قال ضمام أشدد يدك عليه يا ربيع أي قم بالحجة.
قال أبو سفيان لما سجن الحجاج أبا عبيدة وضمام منع أن يوصل إليهما شيء وكانا يقصان شاربهما بأسنانهما وكان أحدهما لينفض لحيته فيتساقط منه القمل، وكان يطعم أهل السجن خبز الشعير وملح الجريش ويعمد إلى مراكن عظام فيسكب فيها الماء ويطرح فيها الملح ثم يضربوه حتى تخرج رغوته فمن شرب أولا كان أمثل قليلا ومن شرب آخر كان العذاب وربما ضاق ضمام فيقول أبو عبيدة على من تضيق ولم يخرجوا من سجنه حتى مات الفاسق إلى النار، وعمد إلى ثلاثة من رؤساء الخوارج فبنى عليهم بنيانا من قصب وطلاه بالعذرة داخلا وخارجا فلما أبقوا فيه ثلاثا ماتوا ووقع الموت في أهل السجن، فقال لطبيب مجوسي أردت أن أعذبهم، قال اجعل طعامهم الزيت والكراث قال ضمام فلما أكلنا الزيت والكراث سمنّا وقيل للمجوسي لو تركتهم فماتوا قال لعله يموت فيخرجون ومن مات فلا مطمع فيه (1).
(1) – إن المرء عندما يقف على هذه القصة المؤلمة تندهش نفسه ويرتجف قلبه أمام تلك القسوة والجفاوة والوحشية التي استحكمت على نفوس اولئك الطغاة المتجبرين تجاه المؤمنين المستضعفين الذين يعبر لسان حالهم بقول الله تعالى: (هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ )(المائدة:الآية59) بينما تنبعث الإنسانية والرحمة من قلب مجوسي لا يدين بالإسلام مع أن الإنسانية والرحمة من خصائص الإسلام وروح تشريعاته.