الشيخ سعيد بن بالحاج شريفي (الشيخ عدون) مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

الشيخ سعيد بن بالحاج شريفي لمصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ٩

أما الجمعيات الأدبية التي عرفتها أنشطة الطلبة، فلم تكن مجرد ميدان للتكوين العلمي التطبيقي، والتدريب على تمثل القواعد النظرية وممارستها في ما يكتب أو يقال، فحسب، بل كانت فوق ذلك ميدانا لترويض العقل على البحث والنظر، والنقاش والحوار، والأهم من هذا كله، أنها كانت مجالاً لعمل أخطر، ومضمارا لتحقيق غاية أسمى، غاية تتمثل في بعث الروح الوطنية ومقارعة الاستعمار، إذ تُعرض في أحضان تلك اللقاءات قضايا الحرية وعزة المسلمين، وفداء الأوطان، والسعي لإنقاذها من براثن الكافرين، وكانت جلسات هذه الجمعية سرية لا علم للإدارة الفرنسية بها، ويتعهد أعضاؤها بكتم أمرها، وعدم إفشائه ولو لأقرب الناس وأعز الأصدقاء.

ومضت الجمعيات الأدبية في مقدمة القطار، تقود عرباتها من محطة نصر لأخرى، حتى كانت شرارة حرب الخلاص، فثار شعب الجزائر بتضافر جهود رجال الإصلاح العاملين في الشمال والجنوب، ووقف الشعب صفا واحدا يقول للمستعمر:

يا فرنسا قد مضى وقت العتابْ، وطويناه كما يطوى الكتابْ.

يا فرنسا إن ذا يوم الحسابْ فاستعدي وخذي منا الجوابْ

إن في ثورتنا فصلَ الخطابْ

وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر.

فاشهدوا فاشهدوا فاشهدوا…

وتركت لنا هذه الجمعيات في أرشيفها كنوزا من النتاج الفكري والأدبي يكشف عمّا كان يجري في رحمها من مخاض عسير أفرز هذه الروح الوطنية الواعية، وينم عن مدى الرشاد الذي اتسمت به قيادة الشباب في هذه اللقاءات، حمل رايتها الشيخ عدون وأثمرت في ما دوّنه الطلبة من مقالات وقصائد، وأناشيد بلغت العشرات، كلها تشيد بالوطن وتدعو للسعي إلى تحريره من نير الاستذلال، وجاءت في أسلوب حماسي صادق، ولكنه ذكي حكيم، تدك قنابله معاقل المفسدين، ولا يُدان قائله من قبل الكائدين. وتلك صفحة بحاجة إلى دراسة مستفيضة تجلي فضل الجمعيات الأدبية بمعهد الحياة في إيقاظ الروح الوطنية في الشباب، ومحو خرافة أن فرنسا ستبقى في الجزائر إلى يوم الحساب.

٩ / ٢٤