المرحوم الكندي وجمعه بين الفقه والأدب
الجزء ١ · صفحة ١٨ومن كلامه الدال على غزارة علمه وحسن ورعه ودقة نظره قوله:" الناس محكوم لهم في أحكام الظاهر بأحسن الأحوال حتى تقوم عليهم الحجة الواضحة بأسوأ الأحوال فهم أهل توبة واستغفار حتى يصح منهم الإصرار ، وأهل تحريم لما حرم الله حتى يصح منهم الاستحلال".
كذلك من المجملات الأثرية التي فصلها تفصيلا، ما جاء عن بعض أهل العلم حيث قال:" إن ركوب الكبائر شاهد على راكبها بالكفر" أي كفر النعمة والضلال. وقد تعقبه العلامة الكندي أن ذلك فيما لم يحتمل الجواز بوجه من الوجوه فلو أبصر أحد أحد الصالحين يأكل في نهار الصوم لم يكن له أن يحكم عليه بالفسق لاحتمال أنه مريض أو ناس أو أنه في سفر.
ومن الآثار التي فصل مجملاتها قول بعضهم:" إن الجمع بين الأضداد في دين الله حرام وباطل" فقد تعقبه بأنه ليس على إطلاقه وإنما هو فيما لم يحتمل الحق والباطل أي في حق محض أو باطل محض فيتعذر الجمع بينهما فمثال الحق المحض أن الله أحل البيع وحرم الربا، والباطل المحض خلافه فلا يمكن جمعهما.
وكذلك لو ثبت على أحد أنه قتل غيره اعتداء أو سلبه ماله أو انتهك عرضه لما جاز للمسلمين أن يتولوه على ذلك ولا يجوز أن يجتمع في الولاية من تولاه وتبرأ منه.
أما لو كان التضاد في المسائل الفرعية الاجتهادية وذلك بأن يرى بعض العلماء حلية شيء ويرى غيره حرمته فهو مما لا يدخل في هذا الباب ويحمل الكل على حسن الظن، لأن اختلافهم ناشئ عن نظر واجتهاد، وضرب لذلك أمثلة لا يتسع المقام لذكرها لا سيما وأن المدة المحددة لي قد انتهت.