ترجمة أبي حاتم الملزوزي لمهنا السعدي
الجزء ١ · صفحة ٣٣وأما القصة الثانية التي أوردها الشماخي ، فمن المعلوم أن الدم لا تتشربه الأرض كما تتشرب الماء ، فيظل على سطحها ولو إلى مئات السنين ، فلعل دم الشهداء من أصحاب أبي حاتم ظل على سطح الأرض واختلط مع التراب ، وكذلك بالنسبة لدم الرجال الثلاثة ، فهو أمر غير مستغرب ، وأما قضية الاستشفاء بالتراب الممتزج بدمهم فربما الجانب النفسي له دور في إحساس المرضى بالصحة والله أعلم(1) .
(1) * - إن مما يؤسف له انتشار أمثال هذه الخرافات والأساطير في أوساط المسلمين ، وامتلاء كتب السير بها ، وعدها من التراث الإسلامي ، وعدها من الكرامات التي يهبها الله لمن اصطفى من عباده ، ولا زالت هذه الخرافات منتشرة في أوساط المسلمين إلى عصرنا هذا عصر التكنولوجيا والذرة واختراق الفضاء ، وصل الغرب إلى ما وصلوا إليه لأنهم اكتشفوا سر القوة والتقدم وهو ( الاتخاذ بالأسباب ) ، ونحن الأمة التي خاطبها الله تعالى وأمرها باتخاذ الأسباب ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ﴾ ( لأنفال : من الآية 60 ) لا زلنا نعيش في عالم الأساطير والخرافات ، بسبب ضعفنا وخورنا وهزيمتنا الميدانية أمام أعدائنا ، مما ولد هزيمة نفسية كبيرة ، نجم عنها ما نشاهده من اللجوء إلى تصديق هذه الخرافات والعيش في عالم الأوهام وعدم الرغبة في الخروج منه حتى لا نصدم بواقعنا الإسلامي المرير ، وهؤلاء الذين وهبهم الله أمثال هذه الخوارق – كما يزعمون – لماذا لا يسخرونها في تحرير فلسطين وبقية بلدان الإسلام من نير الاحتلال ؟! لماذا الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يعد الجيوش الجرارة ويضع الخطط لخوض المعارك ؟ لماذا الصحابة الكرام قادوا الجيوش الجرارة لفتح فارس والروم ، ولم يجلسوا في بيوتهم على الفراش الوثير يحركون الأنهار والصخور والجبال لتقوم بمهمة الفتح بدلا عنهم ! بل انطلق الواحد منهم ممتطيا فرسه متشحا سلاحه حاملا روحه على كفه تواقة نفسه للفوز بالشهادة ، فهل هؤلاء الذين يزعمون هذه القدرات أكثر صلاحا وإيمان من أبي بكر وعمر وحمزة عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟!
ثم إن هذه القصص تتعارض مع العقل والواقع والسنن الكونية ، فضلا عن تعارضها مع القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة ، فالله تعالى في كتابه الكريم أخبرنا أن للكون سننا ثابتة دائمة لا تتغير أو تتبدل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وإلا أدى ذلك إلى اختلال موازين الكون قال تعالى : ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً ﴾ ( الأحزاب : 62 ) ، وقوله تعالى : ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً ﴾ ( الفتح : 23 ) ، ويقول تعالى : ﴿ لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ ( يّس:40 ) ، وقال تعالى : ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ ( لقمان : 29 ) ، والرسول - صلى الله عليه وسلم - أخبرنا أن هذه الأجرام السماوية لا تخسف لموت أو مولد أحد ، فعندما مات ولده إبراهيم وخسفت الشمس ظن الصحابة أنها خسفت بسبب موت إبراهيم ، فأعادهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى جادة الصواب فقال : " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت بشر ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروه وتضرعوا وتصدقوا " رواه الإمام الربيع والبخاري ومسلم .
ولسماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي – حفظه الله – محاضرة قيمة تحت عنوان ( محاربة الخرافة والأخذ بالأسباب ) ألقاها بجامعة السلطان قابوس ضمن سلسلة الدروس الفكرية التي يلقيها بالجامعة ، فيقول متحدثا عن الصحوة الإسلامية وما أصيبت به من التأثر والانجراف وراء أمثال هذه الخرافات والأوهام التي تتعارض مع سنن الله في الكون فيقول : " … ولكن مما يؤسف له أن هذه الصحوة أصيبت بشيء من غبش التصور في بعض الأمور، وذلك مما جعل أبناءها يعيشون في عالم الأوهام ، أسارى للخيالات المختلفة ، وقد دفعهم ذلك إلى تجاهل سنن الله سبحانه وتعالى في خلقه ، مع أن الله سبحانه خلق الخلق ، وجعل لخلقه سنناً ، هذه السنن لا تتبدل حتى يرث الله الأرض وما عليها ، وما يقع من الخوارق التي قد تكون رأي العين خارجة عن هذه السنن؛ فإنما ذلك يرجع إلى أمر الله سبحانه عندما يريد أن يتعطل شيء من السنن في قضية معينة ، مع أن هذه الحالة لا يمكن أن يقاس عليها ، وهي حالات في عهد النبوات لا يمكن أن تتكرر مرة أخرى ؛ لأن السنن تسير حسب ما شاء الله سبحانه وتعالى مما رسمه لهذا الكون من نواميس معينة = = لا تتبدل ولا تتغير حتى يرث الله الأرض ومن عليها ، إن غبش التصور هو الذي يحول بين البصائر والرؤية الصحيحة لحقائق الأشياء ، وذلك مما يجعل هذه النفوس أسيرة الأوهام فتبتعد كل البعد عن هذه الحقائق " .
ونلاحظ هنا أن سماحته وضح أن الأمور الخارقة للعادة التي خصّ الله تعالى بها أنبيائه من معجزات ، وكذلك ما ذكر في القرآن من بعض القصص كقصة أصحاب الكهف والرجل الذي أماته الله مائة عام ، فإن تلك حالات حدثت في عهد النبوات لا يمكن أن تتكرر مرة أخرى بعد انقطاع الوحي واكتمال الدين ، فضلا عن ورودها بنصوص قطعية آي الكتاب الكريم .
ووجه إلي سماحته سؤال حول بعض الكرامات التي تنسب إلى بعض الأئمة والعلماء وتتعارض مع السنن الكونية ، ونص السؤال : إن هناك الكثير من القصص التي تنسب إلى الأئمة والعلماء – رضي الله تعالى عنهم – ما هي مخالفة لأبسط السنن الكونية ، ويدعي الكثير أنها من الكرامات التي يؤيدون بها ، ما رأيكم في ذلك ؟ ، ومن ذلك مثلا ما يروى عن الشيخ محمد بن علي بن عبد الباقي – رحمه الله – أخذ فلج الغنتق في نزوى وأجراه في مكة ، وما يروى عن الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي – رحمه الله – كان يفهم منطق الطير ؟!
وهذا نص جواب سماحة الشيخ حفظه الله تعالى : هذه القصص يعني راجت في وقت من الأوقات كثيرا وكل أمر لا يقبله العقل لا يمكن أن ينسب له ، وأبعد من ذلك ما ذكر أخيرا ولم يذكر أولا : من أن أبا عبيدة – رضي الله تعالى عنه - دعا الله ، فانفرجت السماء الأولى ثم الثانية ثم الثالثة ، وأبصر العرش ، الكلام هذا لا يصح ولا يقبل لأنه مخالف للكون .
( انظر : الإمام الربيع بن حبيب الأزدي ، الجامع الصحيح ، مكتبة مسقط ، مسقط ، سلطنة عمان ، ط1 : 1415هـ / 1994م ، كتاب الصلاة ووجوبها ، باب ( 31 ) في صلاة الكسوف ، ص52- 53 - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ، فتح الباري شرح صحيح البخاري ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ط3 : 1421هـ / 2000م ، 3/669 ، كتاب الكسوف ( 16 ) ، باب الصلاة في كسوف الشمس ( 1 ) ، حديث رقم ( 1043 ) - يحيى بن شرف النووي ، صحيح مسلم بشرح النووي ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ط2 : 1424هـ / 2003م ، 6/184- 185، كتاب الكسوف ( 10 ) ، باب ( 3 ) ، حديث رقم ( 10 ) - أحمد بن حمد الخليلي ، محاربة الخرافة والأخذ بالأسباب ، محاضرة ضمن سلسلة الدروس الفكرية التي يلقيها سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي بجامعة السلطان قابوس ، ألقيت في يوم الإثنين 23 من رجب 1423هـ / 30 من سبتمبر 2002م ؛ والمحاضرة منشورة بموقع الأمل المشرق ( www.alaml.net ).