ترجمة أبي مودود حاجب الطائي لمحمد ناصر
الجزء ١ · صفحة ٣و مما يدل على دور الحاجب العظيم في هذا المجال، و تفانيه في جمع المال أنه عندما توفي ترك دينا عظيما بلغ أكثر من مائتي و خمسين ألف درهم، و عندما أراد إخوانه غسله تشاوروا في أمر هذا الدين، فقال لهم الفضل بن جندب، و كان مولى و ليس له وارث "دينه علي دونكم حتى أعجز عنه و لا يبقى لي مال" و مات الفضل قبل أن يؤدي عن حاجب، مما اضطر زوجه أم الصلت لبيع دار له بالبصرة و أخرى بصحار لسداد ذلك الدين الذي ضمن لها فيه حاجبا. (الدرجيني، طبقات، ج2/250)
و قد تجاوزت مهمة أبي مودود الشؤون الإدارية و العسكرية لتشمل مسائل الفتوى و المرجعية، و هو ما يدل على علمه و فقهه، و رجاحة رأيه و بعد نظره، و كان المسلمون لا يكادون يخرجون عن رأيه إذا احتكموا إليه، و كان أبو عبيدة يحترمه و يقدره من أجل ذلك (الدرجيني، ج2/242).
فقد احتكم إليه الطرفان من أهل حضرموت في الخلاف الذي وقع بينهم في أمر عبد الله بن سعيد حين عزلوه، و بايعوا رجلا يدعى حسن، فكان أن استفتوا أبا مودود في موسم الحج بمكة، فيمن هو أحق بالقيام بشؤون المسلمين: الإمام المدافع أم الإمام الشاري؟ فأجابهم: بل الإمام الشاري أحق. (الدرجيني، طبقات، ج2/252)
و كان متشددا مع أهل البدع لا يتهاون معهم في مسائل الأصول، رغم رفقه و مرونته مع أهل المعاصي ما لم يجاهروا، و كان يأمر أصحابه بالرفق بهم و إحضارهم إلى مجالسهم، لكن من أحدث في العقيدة أمر بطرده من المجلس (الدرجيني، ص252) و بذلك كان يوصي عبد الملك الطويل "إذا كان أحد يعيب عليه المسلمون أشياء تكون بينه و بين الله تعالى فتشاورا في أمره و عظوه، و أحضروه مجالسكم، و ارفقوا به جهدكم، عسى الله أن يتوب عليه. و إذا كان أحد يعيب عليه المسلمون في خلافهم في الدين و إرادته أن يشغب عليهم و يفتق بينهم فتقا، فابدوا عورته و اهجروه و لا تحضروه مجالسكم، و أعلموا الناس به، ليكونوا منه على حذر، أو يتوب" (الدرجيني، ج2/ 252-253)