ترجمة سليمان الباروني باشا لـ...؟
الجزء ١ · صفحة ٢٥إن الناظر في سيرة هذه الشخصية العظيمة يبهر بهذه الأخلاق العالية الرفيعة التي تحلى بها الباروني فكانت من أقوى العوامل في توجيهها ورفعتها، وتبدو هذه الأخلاق للدارس من خلال بعض الصفات والسجايا الكريمة التي اشتهر بها بين عارفي مكانته ،تذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
قوة التحمل جسميا ونفسيا؛ فإن الأتعاب والمشاق التي قاساها وعانى منها إبان الحرب الطرابلسية مدة ثماني سنوات تقريبا(1911م-1919م) لم تفت في عضده،كما أن الانهزامات والخيانات التي تعرض لها من أولئك الذين كان ينتظر منهم التأييد والنصرة،أو المضايقات التي لوحق وطورد بها من طرف الاستعمار الغربي مجتمعا ضده الفرنسيون الذين حرموه من تونس والجزائر ،وضايقوه في فرنسا،والإنجليز الذين منعوا عنه مصر والشام وتعقبوه في الباخرة المسافرة إلى الحج،وأفسدوا خططه التوحيدية أينما حل وارتحل .ثم الإيطاليون الذين حاربوه حربا عسكرية فقتلوا أهله وذويه ،وشردوه هو وأولاده وأخرجوه من وطنه ليعيش ست عشرة سنة من حياته مشردا من بلد إلى آخر:(1924م – 1940م) حتى مات غريبا في بلاد نائية.
يقول الشيخ أبواليقظان صديقه الحميم :
"ما كاد يتم حياته العلمية حتى فاجأته المحن الكبرى ،وأحاطت به النكبات إحاطة السوار بالمعصم،لا تتركه محنة إلا لتسلمه إلى أخرى ؛من محنته مع الدولة العثمانية سجنا وإبعادا وملاحقة إلى الحرب ضد الاستعمار الإيطالي وما فيها من بؤس وشقاء وشظف عيش وأهوال ،إلى النفي والإبعاد من بلد إلى بلد ،ومن قُطر إلى قُطر(1) .
وقد اشتهر بين عارفيه – رغم ذلك – بالإيثار والفضل ،والكرم والسخاء،والصدق والنزاهة ،والورع والتقوى ،والشجاعة ورباطة الجأش حتى قال عن نفسه:"لا أعلم أني بكيت عند وفاة أقاربي من والدي إلى أولادي ،ولا نزلت مني دمعة واحدة في أشد المحن التي لاقيتها في الانهزامات الشنيعة،والدقائق الحرجة.."
(1) -يُراجع:أبواليقظان،(مرجع سابق)،ص:78.