زكاة الفطر بين حاجة الفقير وحرفية النص لبدر العبري
الجزء ١ · صفحة ٢٢ثمّ إنّ بعض الصحابة قدّم مصلحة الفقير على ظاهر النص حتى في غير زكاة الفطر، فعن طاووس قال: لمّا قدم معاذ بن جبل اليمن قال: أأتوني بعرض ثياب آخذه منكم مكان الذرة والشعير فإنّه أهون عليكم، وخير للمهاجرين بالمدينة(1)، وعن عطاء كان عمر بن الخطاب يأخذ العروض في الصدقة من الدراهم(2)، وعلى هذا أفتى أحمد ابن حنبل لمن سأله عن رجل باع ثمرة نخلة، فهل يخرج الثمر أو ثمنه، فقال: إن شاء أخرج ثمرا، وإن شاء أخرج من الثمن(3).
وبهذا يظهر لنا ضعف تعلقهم بهذا الدليل بفعل الصحابة، وفهم كبار سلف الأمة، ولا يعني هذا أنّ هناك من الصحابة والتابعين من تمسّك بظاهر النص، ولكن لا يعني هذا أن ننسى الطرف الثاني، وندّعي من خالف الرأي الأول فقد خالف السنة والإجماع، فهذه من مسائل الرأي التي يسع الخلاف فيها.
2. إخراج زكاة الفطر نقدا مخالف لأمر النبي – صلى الله عليه وسلم – القائل: "من عمل عملا ليس علية أمرنا فهو ردّ"، أي مردود على صاحبه(4).
وهذا من أعجب الأدلة! فمن قال بإخراجها نقدا أتى بشيء جديد؛ بل هو وظّف النص بما يوافق الزمان والمكان، والأولى أن يوجه الخطاب إلى من أضاف أجناسا جديدة، وقدّم الفترة الزمنية؛ لمخالفته أمره – صلى الله عليه وسلم – في إخراج غير الأجناس التي حددها، وتقديم المدّة التي عينها، فإخراج الزكاة نقدا كان توظيفا للنص لا مخالفة، والحديث يُراد به من خالف أمرا صريحا كصلاة المغرب أربعا، وليس المقصود به توظيف النص.
3. ومن أدلتهم: "زكاة الفطر عيّنها النبي – صلى الله عليه وسلم – في أجناس مختلفة، وأقيامها مختلفة غالبا، فلو كانت القيمة معتبرة لكان الواجب صاعا من جنسه وما يقابله من الأجناس الأخرى"(5).
(1) المغني لابن قدامة الحنبلي، ج2، ص662.
(2) المصدر نفسه، ج2، ص622.
(3) المصدر نفسه، ج2، ص622.
(4) مجموع فتاوى ورسائل الشيح محمد بن صالح العثيمين، ج20، ص 394.
(5) المصدر نفسه، ج20، ص 394.