زكاة الفطر بين حاجة الفقير وحرفية النص لبدر العبري
الجزء ١ · صفحة ٢٣والردّ على هذا أنّ هذه الأجناس ذاتها متفاوتة في القيمة السوقية، فالصاع من البر ليس كالصاع من الشعير، وكذلك من الزبيب ونحوه، ولكن وضع لها اعتبار لحاجة الناس إليها في يوم عيدهم في ذلك العهد، ولأنّها على اختلاف مقاديرها كان لها قيمة سوقية، ولذا عندما تقدم الزّمان أجاز العلماء أخراجها في غير هذه الأصناف مع اتحاد الصاع واختلاف قيمته سوقيا؛ وذلك لمراعاة المقصد من أخراج الزكاة، وما فعله بعض الصحابة – خلافا لرواية الإمام زيد – من تقليل للصاع كان مراعاة لقيمته السوقية، والنقد وإن كان لا ينطبق عليه الوزن بالصاع لكونه جنس آخر؛ إلا أنّه يقوم مقام هذه الأجناس في القيمة، وهو أكثر فاعلية في تحقيق المقصد، ومراعاة الزمان والمكان، لذا كان أخراجه – خاصة في عصرنا – أولى وأجدى.
4. ومن أدلتهم: "ولأنّ إخراج القيمة يُخرج الفطرة عن كونها شعيرة ظاهرة إلى كونها صدقة خفية، فإنّ إحراجها صاعا من طعام يجعلها ظاهرة بين المسلمين، معلومة للصغير والكبير، يشاهدون كيلها وتوزيعها، ويتعارفونها بينهم، بخلاف ما لو كانت دراهم يخرجها الإنسان خفية بينه وبين الآخذ"(1).
والردّ: أنّ زكاة الفطر صدقة من الصدقات ليس القصد منها الإشهار والرياء، وإنّما القصد مراعاة الفقراء والمساكين، وإظهار الفرحة بين الجميع، وهذا ما لا يتحقق اليوم بالطعم، ولكن يتحقق بالنقد، والفقير ليس بحاجة إلى من يشهره ليرمي أكواما من الأرز في بيته ثمّ لا يستفيد منها، وقد يرمي – وقد حصل – أكيالا منها في الزبالة، أو يدفنه في الأرض، وهذا لا يرضاه الله – تعالى -، ولا رسوله – صلى الله عليه وسلم -، وذلك إمّا لفسادها بعد فترة، أو لكثرتها ولاستغنائهم عنها، وما قلناه من كلام في مقصد الزكاة خلال القرآن الكريم الذي به ندرك الغاية من تشريع الصدقة والزكاة، فنضع كلّ صنف في مكانه الصحيح وفق الزمان والمكان.
(1) المصدر نفسه، ج20، ص 394.