سليمان الباروني المعلم المقاتل لفاضل السباعي وآخرين
الجزء ١ · صفحة ٢وإذا بلغ الثامنة عشرة من عمره، بعثه أبوه إلى تونس حيث تلقى العلوم الدينية، في "جامع الزيتونة"، على أيدي كبار أساتذته وعلمائه. وقد لبث في تونس سنوات خمس، ارتحل بعدها إلى مصر، فدرس في "الأزهر" الشريف مدة ثلاث سنوات، ثم غادرها إلى الجزائر ليستكمل علومه في "وادي ميزاب" على يد "الشيخ اطفيش" عالم الدين الشهير في زمانه.
فلما آن له أن يعود إلى طرابلس، من رحلته العلمية الطويلة، كان قد بلغ الثامنة والعشرين… فاغترب بذلك من العلم ومن تجارب الحياة ما يؤهله لأن يخوض غمار تجارب جديدة تكون أكثر عمقاً ونفعاً.
وهل كان يدري ما تخبئه له الأقدار؟
إن أول ما يستلفت نظر الباحث في حياة "سليمان الباروني" الشاب، هو حبه للأدب، وإخلاصه للدين، وتطلعه إلى بناء دولة إسلامية ترقى إلى ما يليق بها من مستوى بين أمم الأرض.
وهكذا كان إعجابه بالغا بدولة آل عثمان، التي تجمع بعض الشعوب العربية والإسلامية… وعندما كان يمرن يده على "الخط العربي"، كان يطيب له أن يجلو خطه بكتابة أسماء سلاطين آل عثمان الذين يحبهم… وربما قلد – متأنقا – "الطغراء" العثمانية الشهيرة … وربما أمعن في تسليته، فخط، على وريقة صغيرة، طغراء باسمه، على نحو ما يعبث شاب حالم: "السلطان سليمان الباروني". ثم جعل هذه الوريقة بين أوراقه الخاصة! وإذا نزوعه الديني قد حمله على أن يشرع – وهو في رحلته العلمية الأخيرة – في تأليف رسالة عن "المذهب الإباضي"، فأنه كان، إلى ذلك، متحرر الفكر، يتطلع إلى الأخذ بأسباب الحضارة الحديثة… وله في ذلك مواقف ونوادر، منها أنه كان في مجلس أستاذه "الشيخ اطفيش"، الذي ينكر التصوير الفوتوغرافي ويعده بدعة! وكانت الحرب عامئذ قائمة بين الدولة العثمانية واليونان.