شموس الحق
الجزء ١ · صفحة ١٠إنَّ السيَاسَةَ الجائِرَةَ الَّتي كانَ يَتْبَعُها النِّظَامُ الأمَوِيُّ، والتَّضييقَ الخانقَ عَلَى أَهْلِ الدَّعْوَةِ دَفَعَا أَبا عُبَيدَةَ لأَنْ يَنْتَهجَ سِياسَةً صارمِةً في اختيارِ طَلَبةِ العِلْمِ، كما أنَّه كانَ حَذِراً مِنَ العُيُونِ والدَّسائِسِ؛ فاتَّخذَ سِرْدَاباً تحتَ الأرضِ لِيُعَلِّمَ فيه تلامِذَتَهُ وَأتبَاعَهُ شَتَّى العُلُومِ. وقد كانَ الطلبةُ يَقصِدُونَ ذَلِكُمُ "المعهدَ السِّرْدَابِيَّ" مِن شتَّى بقاعِ الأرضِ، واكتَسَبَ هذا "المعهدُ السِّرْدَابِيّ" الصِّفَةَ العالميَّةَ بسببِ التنوُّعِ الجغرافيِّ لِطُلاَّبِه.
أخذَ عَنْ أَبِي عُبَيدَةَ (عَمِيدِ المعْهَدِ) العديدُ من طلبةِ العلمِ، فمِنَ العراقِ هُناك «خَلَفُ بنُ زِيَادٍ البَحْرَانِيِّ»، و «المعتَمِرُ بنُ عمَارَةٍ»، ومن اليمنِ هُناك «طَالِبُ الحَقِّ الكِنْدِيِّ»، و «وَائِلُ بنُ أيُّوبٍ» و «عبدُ الأعلَى بنُ السَّمْحِ المَعَافِرِيِّ»، ومن الحجازِ «محمَّدُ بنُ سَلَمة المدَنِيِّ»، و «محمَّد بنُ حَبِيبٍ»، و «محبُوبُ بنُ الرُّحَيْلِ»، ومن عُمانَ هُناك «الرَّبيعُ بنُ حبِيبٍ الأَزْدِيِّ»، و «الجُلَندَى بنُ مَسعُودٍ»، ومن خُراسان «حاتمُ بنُ مَنصُورٍ»، و «هَاشِم الُخرَاسَانِيّ»، ومن مصر «عبدُالله بن عَبَّادٍ»، ومن بلاد المغرب الإسلاميِّ «محمَّدُ بنُ عبدالحميدِ الجَنَّاوْنِي» و «عَاصِمُ السَّدْرَاتِي» … وغيرُهم كثيرٌ.
من سِردابٍ ضيِّقٍ تحت الأرضِ بدأت تَسطَعُ أنوارُ الإسلامِ الحقيقيِّ، ومن ذلِكُم المعهدِ النُّورَانِيِّ تخرَّجَ أئِمَّةُ العِلْمِ كالرَّبيعِ بنِ حبيبٍ، ومنه تخرَّجَ قادةُ الجيوشِ كأبِي حمْزَةَ الشَّارِي، ومنه أيضاً تخرَّجَ رُؤَسَاءُ الدُّولِ كطَالِبِ الحقِّ الكِنْدِي والجُلَنْدَى بنِ مَسْعُودٍ، وعَبدِ الرَّحمنِ بنِ رُسْتُم.
الإمامُ الرَّبيعُ، ومُسندُه الرَّفيعُ