شموس الحق
الجزء ١ · صفحة ٩في الشطرِ الجنوبيِّ من العراقِ، تقعُ مدينةُ البصرةِ التاريخيَّة، تلك المدينةُ العريقةُ التي كانت تُمثِّل مركزَ الإشعاعِ الفكريِّ في العالمِ الإسلاميِّ؛ فمِنها خرَجَت المذاهبُ الإسلاميَّةُ، وفيها تكوَّنت الفرقُ الإسلاميَّةُ، وفي هذه المدينةِ أيضاً وُلِدَ الإمامُ الأكبَرُ «مُسْلِمُ بنُ أبي كَرِيمة التَّمِيمِي».
أخذَ الإمامُ أبو عُبيدةَ مُسلِم بنُ أبي كريمة العلمَ عن شيوخٍ أجلاَّء؛ مثل الصحابيِّ «صُحَار العَبْدِي»، و «جابرِ بنِ زَيد»، و «جعفر السمَّاك»، و «ضُمام بنِ السَّائِبِ» وهؤلاء هم أشهرُ علماء الإباضيَّة في مرحلةِ الكتمانِ.
اتَّصف الإمامُ أبو عبيدةَ بأخلاقٍ عاليةٍ أهَّلتهُ لأن يكونَ مِن أكبرِ دُعاةِ الإباضيةِ وأئِمَّتهم؛ فقد كان إلى جانبِ ما عُرف عنهُ من ورعٍ وتقوىً سديدَ الرَّأيِ نَيِّرَ البصيرةِ، وبهذا استطاعَ أنْ يَخلِفَ الإمامَ جابرَ بنَ زيدٍ في قيادةِ أهلِ الدَّعوةِ.
اهتمَّ الإمامُ أبو عبيدةَ بأمرِ الدَّعوةِ وبَثِّ الروحِ الإسلاميَّةِ بين المسلمينَ اهتماماً بالغاً، وجاهدَ في سبيلِ نشرِ دَعوَتِهِ جِهاداً عظيماً، ولم تزِدْهُ الضغوطُ السياسيَّةُ التي كانَ يُلاقِيها في البصرةِ إلاَّ عَزْماً وَتَمَسُّكاً بمبادئِ الإسلامِ الحنيفِ.
إنَّ الخمولَ، والعَجْزَ، والدَّعَةَ، والتَّوَاكُلَ، والعشوائيَّةَ، من العناصر الطارئةِ على أهلِ الدَّعوةِ، بل إنَّ أبَا عُبَيدَةَ – وهوَ مِنَ الأئِمَّةِ الأوائِل – كان سياسياً مُحنَّكاً، وداعيةً عَمَلِيًّا عالَمياً، ولا أدَلَّ على ذلكَ من الوسائِلِ المنهجيَّةِ المنظَّمةِ التي كانَ يَتبَعُهَا لنشرِ دَعوَتِهِ إلىَ الآفاقِ البَعِيدَةِ، تحتَ سَمْعِ الحُكُومَةِ الأمَوِيَّةِ الجَائِرَةِ. ومنَ الوَسَائِلِ التَّنظِيمِيَّةِ الَّتي استخدَمَهَا في سَبِيلِ ذَلِكَ؛ إِنشَاءُ مَعْهَدِهِ العَالَمِيِّ النُّورَانِيِّ.