شموس الحق
الجزء ١ · صفحة ٢٣وَصفَ «ابنُ الصَّغيرِ» الإمامَ في الدَّولةِ الرستميَّة بقوله: «فَسَارَ بِهِمْ سِيرَةً حَمِيدَةً، أوَّلُهُم وآخِرُهُم، ولم يَنْقِمُوا عليهِ في أحكامِهِ حُكمًا، وَلاَ في سَيْرِهِ سِيرَةً؛ وَسَارَت بِذَلِكَ الرُّكبَانُ إِلَى كُلِّ البُلْدَانِ».
وقالَ عن الدولةِ نفسِها: «قَوِيَ الضَّعِيفُ، واغتَنَى الفَقِيرُ، وَحَسُنَت أحوَالُهُم، وخَافَهُم جَمِيعُ مَن اتَّصَلَ بِهِ خَبَرُهُم، وَأَمِنُوا مِمَّن كانَ يَغزُوهُم، ثمَّ شَرَعُوا فِي العِمَارَةِ والبِنَاءِ وَإِحيَاءِ المَوَاتِ وَغَرْسِ البَسَاتِينِ».
لقد نشأت علاقةٌ وثيقةٌ بين الدَّولة الأمويَّة في الأندلس وبين الدَّولة الرُّستُميَّة، فقبلَ تأسيسِ دولةِ الأندلسِ كانَ «عبدُالرحمن الدَّاخِلِ» مُؤَسِّسُ دَولَةِ الأندَلُسِ مُقِيمًا بين بِنِي رُسْتُم الإباضيَّة في
المغربِ الأوسَط، وقد حافظُوا عليهِ وأجَارُوهُ، وبعد تأسيسِ الدولةِ الأمويَّة في الأندلسِ لم يَعُد أمَامَ هذهِ الدولةِ من منفذٍ سوى المغربِ الأوسَطِ، والذي كانَ تحتَ نُفوذِ الدولةِ الرُّستُمِيَّةِ الإباضيَّةِ، لذَا أصبحت الدولةُ الرُّستميَّةُ هي الشريانُ الوحيدُ الذي يستطيعُ أن يُغذِّيَ تلكَ الإمارةَ النَّاشِئَةَ بالحياةِ، ويتعاوَنَ معهَا سياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا.
هذه العلاقةُ، وهذا المنفذُ الوحيدُ، ضَمِنَ استمرارَ التدفُّقِ الحضاريِّ من المشرقِ إلى بلادِ الأندلسِ، واستطاعَ أمراءُ الأندلسِ أن يَحصُلُوا على ما يحتَاجُون إليهِ من كُنوزِ المشرقِ العربيِّ ومؤلَّفاتِه ومَخطُوطاتِه.
هكذا حرَصَت الدُّولُ الإباضيَّةُ التي قامت في المشرقِ والمغربِ على مبدأِ التعايُشِ السِّلمِيِّ بينَ جميعِ الطوائفِ الإسلاميَّةِ، واتَّخذَتهُ منهجاً في تعَامُلِهَا مع الغيرِ.
أبو عُبَيدَة الصَّغِير البِسْيَوِيُّ
"جِنِرَالُ الأخلاقِ الطيِّبةِ"