شموس الحق
الجزء ١ · صفحة ٢٨كان أبُو غَانم الخُرَاسانِي متواضعاً أميناً، حافظاً للعلمِ، ساعياً في تدوينِهِ، كما عُرِفَ عنهُ كثرةُ مسْألَتِهِ لأشياخِهِ واستجوابِهِم، والتحرِّي في النقلِ، كما كانَ مُطَّلعاً على مُجريَاتِ التاريخ.
يُعتَبر كتابُ المدوَّنةِ لأبي غانم الخراسانيِّ كتابَ روايةٍ في الفقهِ، قيَّد فيه أبو غانم ما وصَل إليهِ من أقوالِ علماءِ المذهبِ الإباضيِّ الذينَ لَقِيَهُم وشافَهَهُم أو سمِعَ ممَّن شافَهَهم. وتتألَّفُ المدوَّنةُ من اثنَي عَشَر كتاباً في مُختَلِفِ فُروعِ الشريعةِ.
لا تنحصِرُ مادَّةُ المدوَّنةِ في أقوالِ العلماءِ فحسب؛ كما أنَّه لم يُرتِّب تلك الأقوالَ باعتبارِ قائِلِها لوجودِ أكثرِ من قولٍ في كثيرٍ من المسائلِ، ممَّا يضطرُّه إلى تكرارِ المسألةِ أكثرَ من مرَّةٍ، فضمُّ الأقوالِ مع بعضِها أفضلُ وأيسرُ من تفريقِها.
لقد كانَ الهدفُ الرئيسُ لتأليفِ أبي غانم هوَ خوفُهُ على الثروةِ العلميَّةِ من آراءِ وأقوالِ أئِمَّتِهِ وشيوخِهِ التي لم تُدَوَّن، وخشيتُه عليها مِن الضياعِ، ولهذا قَلَّ أن تَجِدَ رأياً لهُ في مسألةٍ مَا، وَمصدَرُه في الحصولِ على الأقوالِ إمَّا بسؤالٍ مُباشرٍ، وهو الأكثرُ، وإمَّا بسؤالِ أحدٍ في حَضرَتِه، وإمَّا بنقلِ شخصٍ ثالثٍ. وقد ضمَّت المدونةُ في ثناياهَا الكثيرَ من أحاديثِ الرسولِ ح، وأقوالِ الصحابةِ، وفقهاءِ المذهبِ الإباضيِّ والمذاهبِ
الأخرى، وقد أحصى أحدُ الباحثينَ عددَ كلٍّ منها فكانَ عددُ الأحاديثِ 140 حديثاً، وعدُد أقوالِ الصحابةِ 245 قولاً لعشرين صحَابِيًّا، وعددُ أقوالِ فقهاءِ المذهبِ الإباضيِّ 1907 أقوالٍ لستَّة عشرَ فقِيهاً من فُقَهائِه، وعددُ أقوالِ فقهاءِ المذاهبِ الأخرى 40 قولاً لعَشَرةٍ منهم.