شموس الحق
الجزء ١ · صفحة ٣ولمَّا كان رأيُ الشورى مَخُوفًا عند الوراثيِّينَ والقبليِّينَ رأوا أنَّ انتشارَ هذا الرايِ يُشجّع بقيَّة الأُمَمِ والشعوبِ للمطالبةِ بحقٍّ دُستُورِيٍّ مكفولٍ بالقرآنِ الكريمِ، لذلكَ كانَ القرارُ تصفيةَ أهلِ النَّهْرَوانِ إذْ تحالَفَ عليهِمَا النقيضَانِ المتصارعانِ على الرئاسةِ والسلطةِ من البيتِ القُرَشِيِّ، فكانَ استشهادُ أهل النَّهْرَوَانِ.
توُفِّي أهلُ النهروانِ ولكنَّ الفكرَ بقِيَ، وإن فَرَضَت عليه الحربُ النفسيَّةُ والإعلاميَّةُ وكُتَّاب الفِرَقِ والمقالاتِ الانزواءَ، فإنَّه مع ذلكَ بلغَ اليمنَ، وقامت له دُوَلٌ؛ أوَّلُها دولةُ "طالبِ الحقِّ" عبدِ اللهِ بنِ يحيى الكِنْدِي، وعضُدَاهُ أبُو حمزةَ الشارِي وبَلَجُ بنُ عُقبَة.
وبلغ أمرُه واستقرَّ في طرابلسَ الغربِ «ليبيا»؛ فكانت دولةُ أبي الخطَّابِ المَعَافِرِي، وذاق الناسُ طَعْمَ العدلِ والمساواةِ بين الجميع.
وقدَّرَ اللهُ أن ينبِتَ هذا المنهجُ القويمُ في شمالِ أفريقيَا كلِّها، وخاصَّة بالجزائرِ عاصمةِ دولةِ «بني رستُم» التي أسَّسَها الإمامُ عبدُ الرحمنُ بن رُستُمٍ الفارسيِّ، فأطاعه العربُ والأمازيغُ والفرسُ تطبيقًا عمَلِيًّا لمبدأ المساواةِ في المجالِ السياسيِّ والاجتماعيِّ الذي صارَ وكأنَّه معلومٌ من الدينِ بالضرورةِ عندَ خُلفاءِ أهلِ النَّهْرَوَانِ.
لم يُغفِل الكاتبُ في سلسِلَة كتاباتهِ الذهبيَّة أن يُعرِّجَ إلى عددٍ من جواهرِ ودُرَرِ شمالِ إفريقيَا؛ فعرَّف بعَمرُوسِ بنِ فتحٍ، وهو عالمٌ لا يُشقُّ له غبارٌ، وكفاه فخرًا وفضلاً أنَّه كان سببًا في حفظِ مدوَّنة أبي غانم الخراسانيِّ التي عكفَ على نسخِها مع أختِه، وهذه المدوَّنة تعكِسُ حقيقةَ الفقهِ الإباضيِّ الخالصِ الأصيلِ، ومن أرادَ التعرُّفَ على فقهِهِم قبل امتزاجِ هذا الفقهِ بفقهِ المذاهبِ الأخرى، فالمدوَّنةُ خيرُ دليلٍ وشاهدٍ.