شموس الحق
الجزء ١ · صفحة ٤٨جعلهُ الدَّرجينيُّ ضمنَ الطبقةِ الثانية عشرةَ (550 إلي 600 هجري). بينما عدَّه البارونيُّ من ضمنَ رجالاتِ الطبقةِ (500 إلي 550 هجري).
نشأ في موطنِه سَدْرَاتَه، وأخذ مبادئَ العلومِ علي عُلماءِ ورجلانَ، ومن شيُوخِه بها أبو سليمان أيُّوبُ بنُ إسماعيلَ، وأبو زكريَّا يحيى بنُ أبي زكريَّا، وتذكرُ المراجعُ أيضًا أنَّه تتلمذَ علي أبي عمَّار عبد الكافي التنَاوْتِي.
يقولُ أبو العبَّاس الدَّرجِيني عن جِدِّه واجتهادِه في العلم: «أقامَ سبعةَ أعوامٍ ملازماً دارَهُ لا ينصرفُ، فكان متى زارَهُ أحدٌ من الزوَّار
وجَدَهُ إمَّا ينسَخُ، وإمَّا يدرُسُ، وإمَّا يُقابِلُ، وإمَّا يبري الأقلامَ، وإمَّا يَطبخُ الحِبرَ، وإمَّا يُسفِّر كتاباً … لا يَعدِلُ عن هذا الفَنِّ إلى ما سواهُ إلاَّ إِنْ قامَ إلى الفريضةِ، وكانَ إذَا اعتَمَدَ تأليفًا أو نَسخَ ديوانًا لا يهولهُ ولا يستعظِمُ منهُ صعوبةً ولا كثرةً فإنَّ لهُ على ذلك قُدرةٌ».
لمَّا استوعبَ أبُو يعقوبُ ثقافةَ وطنِهِ وتاقَت نفسُهُ للاستزادةِ منَ العلومِ فشدَّ الرحالَ إلى الأندلسِ، وأقامَ بقرطُبةَ، وحصلَ منهَا من مُختلِفِ العلُومِ، حتَّى كان الأندلُسيّونَ يلقِّبُونهُ «بالجاحظِ». ثمَّ عادَ لموطنِهِ، ولم يستقِرَّ طويلاً فسافرَ إلي إفريقيا، حتَّى وصلَ إلى قريبٍ من خطِّ الاستواءِ. ورحل أيضاً إلى الحجِّ، والتقى بعلماءِ الأمَّةِ .. كان لا يعرفُ لَه الكسلُ طريقًا، ولا النومُ سريراً.
لا شكَّ أنَّ هذه الرحلاتِ أثَّرت في تكوينِ شخصيتِهِ الفذَّةِ، فجعلت منهُ العالِمَ الموسوعيَّ؛ فكان الدرجينِيُّ يصفُه «بِبَحرِ العلمِ الزَّاخِرِ، المسخَّرِ للنَّفعِ، فتَرَى الفُلْكَ فيهِ مواخِرَ، الرَّفيعُ القَدرِ والهمَّة، الجامعُ لفضائِلِ كُلِّ أمَّة، المحتوِي على عُلُومٍ جمَّة … ».