شموس الحق
الجزء ١ · صفحة ٥٥هو ككِبَارِ فلاسفةِ الإسلامِ الموفَّقينَ، يستوحي نظرياتِهِ الفلسفيَّةَ من سماءِ الدينِ الحنيفِ، فيأتي بآياتٍ بيِّناتٍ ومُعجزاتٍ باهراتٍ، ويغوصُ إلى أعماقِ الشريعةِ فيعودُ ببديعِ الأسرارِ ورائعِ الحِكَمِ، وينفُذُ إلى سرِّ الحياةِ فيصوِّرُها أبدَعَ تصويرٍ ويُقدِّرُها أعدلَ تقديرٍ، يتجلَّى كلّ ذلكَ في الطريقةِ التي سَلَكهَا في وضعِ كتابهِ «القناطِرِ»، وفي كيفيةِ ترتيبِه، ويتَّضحُ في غضُونِ الكتابِ وبين مَطَاويه، فإنَّه شبَّهَ الحياةَ بمفازةٍ يقطَعُهَا الحيّ؛ أوَّلُ منازلِه فيها المهدُ وآخرُها اللَّحدُ؛ الذي ينتهي إلى الموطِنِ الدائِم: الجنَّةُ أو النَّارُ، مفازةٌ صعبةُ المسالكِ، مُخيفَة المَهَالِكِ كثيرةُ العوائِقِ، ذاتُ شِعابٍ وأوديةٍ .. لذلك رتَّبَ عليها "قناطرَ" إذَا عبَرَ عليها السالكُ أفضَت بهِ إلى الغايةِ وهيَ السعادةُ الأخرويَّة.
وهذه القناطرُ هيَ: العلمُ، والتوحيدُ، والفرائضُ، والتوبةُ. ومنها العوائقُ: كالدّنيا والخَلْقُ، والشيطانُ، والنفسُ، والعوارضُ: كالرزقِ والأخطارِ، والمصائِبِ. ومنها البواعث، والعبادةُ، والقوادِحُ، والحمدُ والشكرُ وخوفُ الخاتمةِ والموتِ، وكلُّ قنطرةٍ من هذه القناطرِ تشتَمِلُ على أبوابٍ، وكلّ بابٍ على فصولٍ، وفي هذهِ الأبوابِ والفصولِ تتجلَّى عبقريَّتُهُ وفلسفتُه وأبحاثُه وبعدُ غَوْرِهِ وسعةُ اطِّلاعِهِ.
ويا ليتَ علماءَنا كتبًوا في فلسفتِهِ ببحثٍ دقيقٍ مُستفيضٍ، إذن لَظهر نجمًا لمَّاعًا في سماءِ التاريخِ.
قطبُ الأئِمَّةِ
الشيخُ امْحَمَّد بنُ يُوسُف اطْفَيَّش