شموس الحق
الجزء ١ · صفحة ٥٧وبعد عودةِ أخيهِ إبراهيم من رحلتِهِ الدراسيَّة في المشرق، جلسَ إليهِ لينهلَ من علمهِ ويتعلَّم منهُ ما لم يجِدْهُ مع غيرهِ من العلماءِ إلى أن قوِيَ عودُه واستطاعَ القطبُ أن يعتمدَ على نفسِه في التحصيلِ والتعلّمِ، فأقبلَ على المكتباتِ الموجودةِ بوادي ميزابَ يلتهمُ ما في بطونِها، فاستفادَ من مكتبةِ شيخهِ «محمَّد ازْبَارْ» بعد أن تزوَّج ابنتَهُ، كما تحصَّل على خزانةِ خالِه «عُمر نَتْمُوسْنِي» بعد أن تزوَّج ابنتَه أيضًا، إضافةً إلى مكتباتٍ أخرى، كمكتبةِ أخيهِ إبراهيمَ، ومكتبةِ «عبدِ العزيزِ الثَّمِينِي»، التي جعلهَا نجلُه تحتَ تصرُّفِ القُطبِ.
جلس القطبُ مع أخيهِ إبراهيم ليُعلّمَ الناسَ وينوِّرُهم في أمور دينهِم ودنياهُم وهو في سنِّ الخامسةَ عشرَةَ، واستمرَّ بهِ الحالُ في جهادِهِ طيلةَ عُمُرِه، ولما بلَغَ العشرينَ أصبحَ هوَ المرجع العلميَّ في وادي ميزاب، ففتحَ معهدًا للتدريسِ في دارِهِ، فكانَ أوَّلَ معهدٍ أنشِئَ في وادي ميزاب تُدرَّسُ فيهِ جميعُ الفنونِ، ويؤُمُّه أكبرُ عددٍ من
الطلبةِ، من ميزابَ وغيرِه، ومن تلامذته نذكر: «أبُو اليقظان إبراهيمُ بنُ عيسى»، و «أبو إسحاق إبراهيم اطْفَيَّش»، و «سعيدُ بنُ عليٍّ الصَّدْغيَانِيُّ الجربيّ ابنُ تَعارِيتْ» وغيرهُم كثيرٌ.
تركَ الشيخُ القطبُ إرثا علميًّا عظيمًا أغنى به المكتبةَ الإسلاميَّة كمًّا ونوعاً، فقد عَدَّ البعضُ مؤلفاتِ الشيخِ وقال: إنَّها تبلغُ ثلاثمائةِ مؤلَّف ما بينَ كتابٍ ورسالةٍ. ولا شكَّ أنَّ هذه التآليفَ كانت في شتَّى العلومِ والفنونِ.
ساهمَ القطبُ مساهمةً عظيمةً في محاربةِ المحتلِّ الفرنسيِّ للجزائرِ؛ فأبدى معارضةً شديدةً لمعاهدةِ الحمايةِ التي أبرمَها قومُه مع السلطاتِ الاستعماريَّة سنة1853م؛ حتَّى أعلنَ البراءةَ ممَّن تولَّوا عقدَ المعاهدَةِ، ودعَا إلى محاربةِ الاستعمارِ، الذي اعتبَرهُ مظهرًا من مظاهرِ الشركِ.