الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١١٠رفض شهوات النفس وباعدها، فبان بأسنى المنازل، واستوجب الرقي في درجات الرقي في درجات الأفاضل، ازدرى أهل الدنيا وهم يرون أن قد أزدروه، وباع حظه منها حين بذلوا فيها نفائسهم واشتروه، وتحقق أن من اشترى الدنيا غبن، وجاء عليه الدرك فمن عرف ما تلاك هان عليه ما ترك، وما هو في تحصيل العلوم بذي تقصير، ولا باعه فيها بتقصر، إلا أن النسك أغلب عليه، والمجاهدة أقوى يقينه.
يذم البادية لأنه لا يتمكن فيها من الطهارة
حدث جماعة من المشائخ أن أبا مهاصر خرج سنة من السنين إلى البادية في أوان الربيع، هو وعمروس بن فتح - رحمهما الله - فلبثا أياما على غير ماء في برية من الأرض، لا يجدون ما يتوضأون به، إنما كانوا إذا حضرت الصلاة تيمموا وصلوا، وتكدر خاطر أبي مهاصر لذلك حتى قال ذاما لهذه الحال: قلوب تربو عليها الشحوم مما سمنت، ووجوه تعلوها الغبرة، قلت: سلامة الدين مع أهل الوبر، إنما الدين في المدر، والله لا يجمل بنا أن نترك الدين لإتباع شهواتنا، وإني لأخاف أن أكون ممن عاب الله عز وجل، فقال فيهم: (أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً) (مريم: من الآية 59) فرد عليه عمروس بأن قال له: ليس في ذلك ما تخافه فقد أباح الله التيمم عند الضرورة، فأبان ذلك في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وذلك في ابتغاء الفضل، وقطع الفيافي المجاهل من الأرض، وقال: (وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) (الجمعة: من الآية 10) وقال: (عَابِرِي سَبِيلٍ) (النساء: من الآية 43) وقال: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) (النساء: من الآية 43) فلن يقنع ذلك جميعا أبا مهاصر بل ارتحل راجعا إلى منزله، قيل وأنه استصحب معه من الزبد وغيره ما يتحف به أهل منزله، فلما وصل