الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٩٠القوانين والبراهين، فهاجر إلى تونس فأقام فيها أعواما يدرس الليل والنهار ولا يحضر بباله ذكر الأهل والدار، والذي توخاه في قصده تونس شيئين أحدهما ملاقاة من يشغل خاطره عن ذكر أهله، والثاني أراد أن ينقطع عن اللسان البربري بالبعد عمن يخاطبه به، والتدرب على لسان العربية، بكثرة مخالطة به، وكان أبو عمار موسعا عليه فكانت تأتيه من بلده في كل عام ألف دينار، وبطاقة فيضع البطاقة في موضع، ويقسم الدنانير نصفين فيدفع النصف إلى شيخه ويصرف النصف في نفقته وكسوته، وشراء ما يحتاجه من الكتب، فلما كان عند عزمه على السفر وقد رأى أنه قضى حاجته من طلب العلوم التي اعتمدها هنالك أعلم شيخه بذلك، وأجمع على الارتحال فأخذ في قراءة الكتب الواردة من بلده كتاباً بعد كتاب فوجد في الكتاب الأول إعلاما بوفاة أحد أبويه وفي الثاني وفاة الثاني، ووجد شواغل لا علم له بها، فأطلع على ذلك شيخه وأصحابه فعزوه وانفصل إلى بلده، ولقد حدثني بعض الطلبة النفطين الذين قرأوا بتونس عن بعض أشياخه أنهم قالوا: أدركنا أشياخنا يذكرون طالبا من أهل وارجلان قرأ معهم على شيخهم إذ ذاك، قالوا: أدركناهم يتعجبون من فهمه وحفظه ومواظبته وورعه، وسخائه ودلاله نفسه وسعة خلقه، قالوا: ولم ير مثله من العرب ولا من البربر، قال لي: وكانوا يذكرون أنهم اطلعوا على كتاب معه في علوم مذهبه، وكان نظما في قصائد فما هذا الكتاب؟ فقلت له: هو دعائم ابن النظر كانت منه في بلادنا من قبل هذا نسخة غير محلوله، ولما