الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٠٧بين كثبان رمل أشرفوا من أعلى كثب فرأوا نعما كثيرا في المرعى، ومن ورائها أحياء فأيسوا من السلامة، إلا إنهم تضاموا وأخفوا شخوصهم قبل أن يراهم أحد، ثم تشاوروا فيما بينهم، فقائل يقول " ندفع ما معنا" وقائل "نولى خلفنا" وقائل " نرسل إليهم من يجاعل على سلامتنا بجزء مما معنا" ثم قالوالي: ما عندك ياشيخ البركة؟ فقال: إنما مثلنا مثل أعمى سلم عينيه إلى القادح ليقدحها رجاء انجلاء العمى، فإن أبصر نورا فبفضل من الله ولطفه به، وإن لم يبصر فإنما كان أعمى وبقي أعمى، وكذلك نحن، وعندي رأى هو بمنزلة القدح فإن فعلنا ونجونا فبلطف من الله، وإن عطبنا فنحن عاطبون من قبل ذلك، قالوا: وما رأيك المبارك إن شاء الله؟ قال: أرى أن نستدير مع بعض الأحقاف إلى أقرب قطيع يلينا من النعم الذي رأيناه، فنخرج إلى القطيع على حين غفله من أرباب الإبل ورعاتها، ثم ندخل في وسط القطيع، ثم نقول لهم: نحن دخلاء هذه الإبل، ففعلوا فعند مروقهم من بين الكثبان ودخولهم الإبل رأتهم فرسان، فما كان بأسرع من اتيان الخيل إليهم مثنى وفرادى متوجهين مرجفين، فإذا هم من "المغترف" وللمغترفين إذ ذاك أحساب طيبة، وإذا برب القطيع من أشرف أول فارس، فقال لراعى ابله: ما هذا؟ قال: لا أدرى، إلا أن الإبل كانت ترعى فلم أشعر إلا والركبان كانت في وسطها، وقالوا: نحن دخلاء لصاحب هذا الإبل،
وقال الفارس لهم: أمان الله، وإذا بالخيل تركض فقال لهم: لا تتعبوا خيلكم فقد حرموا، قال: فأنزلهم وأكرم مثواهم، ثم صحبهم أو أصحبهم من خيله من بلغهم إلى مأمنهم من قراى "نفزاوة".