طبقات المشائخ بالمغرب أحمد بن سعيد بن سليمان الدرجيني أبو العباس

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٣١٩

من ذلك السقط، فما خرجنا من برقة إلا وقد نفذ الزاد، وانقطع الأحياء من طريقنا، وليس لنا رفيق ولا دليل إلا الله تعالى، وقال لنا الشيخ يخلف: توكلوا على الله واستخيروه وسيروا، قال: فسرنا في مهامه لا شيء فيها، فربما وجدنا من المباح ما نقتات به مما تنبت الأرض، وسلكنا جرزاً لا نبات بها وليست بمسلك معتاد لسالك، فسرنا يومين أو ثلاثة، وليس منا من ذاق طعاماً، فلما كان في ضحى الثالث أو الرابع قام أمامنا شيء لونه مخالف للون الحمرة، فتيممناه حتى وقفنا عليه، فإذا هو لبنة من جبن عجيب، قال العزابة: ما ترى في هذا؟ فقال الشيخ يخلف: ما هذه بأرض عمارة، ولا بطريق فنقول لعل له رباً، وما هذه إلا كرامة أكرمكم الله بها، فاقبلوا كرامته، ثم تناول ذلك الجبن فقسمه بخنجر كان عنده على عددنا، ثم تقدم يقطع الأرض، ونحن نتبعه، وقد اقتات كل واحد منا بنصيبه، ثم تمادينا نجد السير إلى الغد، وقد كدنا نهلك جوعاً فشكونا إليه ما أصابنا فأخرج من جيبه ما كان أخذ بالأمس فإذا هو لم يذقه، فقسمه على عددنا وأكل معنا سهمه من هذه القسمة الثانية، ثم سرنا غير طويل فلطف الله بنا ووصلنا ما والانا من البلاد على أحسن حال، والحمد لله.

اشتغال الشيخ بالفقه وميل بعض أصحابه إلى الأشعار

وسمعت جماعة ممن أدركه وممن أدرك من أدركه يروون عنه ألفاظاً من منثور الحكم هو منشئها لو قيدت صارت دواوين كلها نافعة للدنيا والدين، وكان ابنه قد أسرع التنقل عن سلوك طريقة المتفحصين إلى النظر في علوم الدين، وبقي أصحابه جاعلين شعارهم الأشعار، فربما عاتبهم على ذلك وبين أن في الاستغراق في الغر والعار، وهم يصدون عنه، ولا يسمعون منه فمنهم الخلف