محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو
الجزء ١ · صفحة ١٠أما روحيا فلأنها كانت تحكم الحرم، منطقة الأمن والسلام عند العرب، وكانت بيدها سدانة البيت الذي جعله الله مثابة للناس وأمنًا. يؤمن بقداسته العرب على اختلاف قبائلها وبطونها، تهوي إليه الأفئدة ويأتونه رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق.
وأما اقتصاديا، فلمكانة مكة التجارية وكونها قلب الجزيرة العربية، توزع دماء الحياة على سائر أطرافها.
أجل لقد جعله الله من قريش في ذؤابتها في أشرف بيت انتهت إليه رئاستها، بيت هاشم الذي هشم الثريد وأهل مكة في السنين العجاف. فأنىّ التفتّ تجدْ شرفا باذخا ونسا معرفا، وسؤددا سامقا، وسموًّا متناهيا.
هو البحرمن أي … النواحي أتيته … فلجّته المعروف … والجود ساحله(1)
خلقه الله على أكمل الأوصاف وأسماها وعصم نفسه الكريمة مما تدنست به نفوس أهل عصره وأرشده بفطرته السليمة إلى إدراك ما عمي على أبناء جيله،كبيرهم وصغيرهم، عالمهم وجاهلهم، غنيهم وفقيرهم، شريفهم ووضيعهم، تهيئة له - صلى الله عليه وسلم - أن يكون قائد الإنسانية إلى حيث سعادتها الأبدية. ومنقذ هذا العالم الذي يتسكع في مهامه الحيرة والضلال من الويلات والشرور، بما يهيئه على يديه من أسباب النجاة، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم.
يتيم براه الله … من نفحاته … ورحمته، إن الكمال … يتيم
يتمه وأميته وفقره
(1) – البيت لأبي تمام في مدح المعتصم، ديوان المتنبي، ص5.
وانظر للتوسع أيضا: المستطرف من كل فن مستظرف، الأبشهلي، ج1، ص366-367