محاضرات البكري في العلم والعلماء عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي، الشهير بـ «البكري»

محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ١١

نشأ - صلى الله عليه وسلم - يتيما أميا فقيرا، ليكون أجلى مظهر من مظاهر عظمة الله وقدرته في هذا الكون المظلم. وشاء ربك أن يصك باليتيم الأمي الفقير هذا الإنسان الذي خلقه من ماء مهين، فإذا هو خصيم مبين ليوقظه من سكرة غروره ويكفكف من غلوائه ويخفف من طيشه ونزقه. ذلك أن اليتم والأمية والفقر ليس من شأنها أن تنتج قوة وعظمة تقلب كيان العالم وتغيّر مجرى تاريخه، بل هي في الحقيقة من أسباب الضعف والانهضام. لهذا كان الإعجاز سمة محمد في كل مظاهره، حتى في يتمه وفقره وأميته. ولهذا كانت النفوس بما تمّ على يديه أعجب وأغرب، والألباب به أخلب وأسلب، مما لو صدر ذلك ممن تربى في أحضان النعيم وترعرع في حجر أب كريم.

أجل، أنشأه كذلك ليكون من أول ظهوره ملقنا للعقول الالتفات نحو الله تعالى، وملهما إياها أن المربي الحقيقي والكفيل هو الله، دون سواه، كذلك فعل ربك ليشهد العالم أن العز ليس بالآباء والأجداد، وأن السعد ليس بالثراء والمال، إنما ذلك فضل من الله يؤتيه من يشاء. ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - : «أدبني ربي فأحسن تأديبي»(1) .

الله أكبر من أن … تستعد له … بحيلة أو ترجّي … دونه سببا

وإذا اصطفاك … لأمر هيَّأتْك له … يد العناية حتى … تبلغ الأرَبا(2)

(1) – روي هذا الحديث عن سفيان الثوري عن الأعمش عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله أدبني فأحسن أدبي ثم أمرني بمكارم الأخلاق فقال خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين .قال الزركشي حديث أدبني ربي فأحسن تأديبي معناه صحيح لكنه لم يأت من طريق صحيح وذكره ابن الجوزي في الواهيات عن علي في ذيل حديث وضعفه.

انظر: المناوي، فيض القدير، ج1، ص225.

(2) – لم أعثر على قائل هذين البيتين.

١١ / ١٤٢