محاضرات البكري في العلم والعلماء عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي، الشهير بـ «البكري»

محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ١٠٦

أين هذا الجد وهذه الهمة في العلم منا أبناء اليوم؟ الذين يتبرمون من ضيق الوقت، ويرغبون عن المطولات التي تشبع نهم الطالب وتكوّن فيه الملكة العلمية التي تمكنه من القول عن علم لا عن حدس وتخمين، ويفضلون أن تكون مؤلفات العصر مؤلفات جيبية، يوفقون بها على زعمهم بين طلب المعرفة وضيق الوقت. وعليه، أنكون مبالغين إذا قلنا: إنه لم يتح للمذهب الإباضي من منذ عصر التابعين إلى يومنا قبله في المغرب العربي إنتاجا وتبيينا للشريعة وتأثيرا على محيطه… إلى آخر ما ذكرت آنفا؟.

هذا، وإن الأثر الحميد والتطور المفيد الذي تمّ في المجتمع الميزابي على يد القطب اطفيش رحمه الله، إنما جاء من عدة وجوه:

1. من إعداده الرؤوس وصياغتها صياغة دينية تهيئهم لسد ثغور المجتمع الديني، والاضطلاع بأمانة الأجيال في مختلف مدن الوادي لتتجاوب أصواتهم وتتفق آراؤهم وتتحد خطة العمل بينهم لخير الدين وصلاح المجتمع.

2. نشره التآليف العلمية النافعة، أفرغها روحَ الإسلام القوية، للقضاء على الطائفية التي مزقت المجتمع أيامئذ شر ممزق، ولنسف أعشاش الفتنة وأوكار البدعة على اختلاف مظاهرها.

3. عقده الرحلات من حين لآخر إلى أطراف المجتمع الميزابي يتفقد حياتهم الروحية، يثبتهم على المبدإ الحق، ويدفع بعجلتهم في طريق العلم والنهوض والتقدم والصلاح.

4. ربطه بين الأقطار الإباضية كعمان وزنجبار وليبيا وجربة، بواسطة المراسلة والانتماء، وتبادل الثقافة وتخريج بعض أبنائهم من معهده، الأمر الذي أذاع صيته شرقا وغربا، وشوقهم إلى الإقبال على تآليفه القيمة، حتى أصبح المرجع الذي ينتهون عنده، فإذا قيل لهم: قال القطب، أذعنوا واستسلموا، سيما في عمان مرتع الشريعة الخصب، وإنما يعرف الفضل ذَوُوه.

١٠٦ / ١٤٢