محاضرات البكري في العلم والعلماء عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي، الشهير بـ «البكري»

محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ١٠٨

والعجب من القطب أنك تجده في أمثال هذه المواسم التي من شأنها أن تنتهز فرصتها للاستجمام وأخذ الراحة من عناء العمل اليومي المتعب، بدل ذلك نجده بالعكس لا يترك عادته من الانكباب على التآليف والعمل الراتب، حرصا أن تضيع لحظة من حياته الغالية سدًى، حتى أنه ذات مرة وهو ببريان، وقد نزلت الأمطار وحملت الأودية، وتدافعت مياهها إلى وادي البئر، ودوت طلقات البنادق وارتفعت الزغاريد من هنا وهناك، إيذانا بحمل الأودية، وامتلاء السدود، وعمّ البلدة سرور عام كاد يفقدها وعيها فرحًا، فلما قيل للقطب: تفضّل أيها الشيخ انظر إلى رحمة الله التي منّ بها علينا بمناسبة زيارتك، أملا أن يتضاعف سرورهم بمشاركته. – ومنزل إقامته على الوادي-، فلم يزد أن رفع إبريقا مملوءا ماءً كان بجبنه فأماله وساء الماء من أنبوبه، وجرى على الأرض منحدرا، فقال لهم:"هكذا يجري الماء". ثم وضع الإبريق وعاد إلى عمله، ولم يسمح له جِدّه أن يوقف عمله لحادث عادي، وإن كان حادث سرور.

بهذا الجد -أيها السادة- أدرك ما أدرك، وترك للأجيال ما ترك مما إن تمسكوا به لن يضلوا. فأين محصولنا أبناءَ اليوم الذين يفنون شطرا من أعمارهم وأموالهم فيما يشبه العبث بدعوى التفسح والاستطلاع وقتل الوقت -مع تيسر الأسباب ووفرة الإمكانيات ورغد العيش- من عصور سلفنا الصالح الذين ينظرون إلى الحياة بعين الاعتبار، على قلة الإمكانيات وضعف الأسباب وكلب الزمان.؟

تلاميذ القطب

لا يمكن الباحث أن يحصي تلاميذ القطب باستقصاء، وإن أفنى شطرا من عمره في البحث. والحق أن الجيل المثقف بميزاب على عمومه سواء في عصره أو بعد عصره، إلى أيامنا، من تلاميذه إما مباشرة وإما بواسطة. فقد هيمنت شخصيته على الحياة العلمية هيمنة لم تتح لأحد قبله من علمائه، وصاغه صياغة جديدة، وطبعه بطابعه الخاص، ولا منازع. ذلك ما قرره التاريخ الحق، وأقره الواقع، وأثبتته الإحصائيات.

١٠٨ / ١٤٢