محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو
الجزء ١ · صفحة ١٢ولئن تركه أبوه جنينا في بطن أمه ورغبت عنه حليمة السعدية، وسائر المرضعات السعديات ليتمه وفقره، فما ودّعه ربه وما قلاه، وما أهمله ولا احتواه، بل حرم على حليمة الرضعاء فكانت رغم اختيارها ظئرًا لسيد العالمين.
غمر الله بحبه قلب جده الشيخ، فأنزله منزلة أبيه، بل جعل لحبيبه في كل قلب محبة، وفي كل نفس انعطافًا، فهي تحبه ولا تدري سببا لمحبته، وتعطف عليه وهي تجهل لماذا تعطف عليه، ويحدبون وهم لا يشعرون.
على أن الفقير هو فقير الوجدان والضمير، فقير العقل والإحساس، لا فقير المال والحطام الفاني. وإن اليتيم من فقد أصغريه لا من خسر أبويه. ومن حرم من نفسه الاستعداد، وضرب بينه وبين السعادة بالاسداد. أما من يتمتع بأوفر حظ من ذلك كحبيبه محمد - صلى الله عليه وسلم - ، أما من شمله الله برعايته وأحاطه بعنايته فلا يخاف يُتْمًا ولا فقرًا.
كان من عناية الله بعبده وصفيه محمد - صلى الله عليه وسلم - أن رأى عبد المطلب في حفيده خلفا عن عزيزه عبد الله، الذي هصرت يد المنون غصن شبابه، ولما يتملَّ منه نظرا. فلوعة عبد الله التي ظت تحز بقلب الشيخ قد انقلبت عطفا غضا طريا، وحنانا على الحفيد. حتى كان المعنيَّ دون سواه بقول الشاعر:
أحفادنا من وُلدِنا … أحبُّ … فالوُلْد قشر، والحفيد … اللبُّ(1)
نشأته - صلى الله عليه وسلم -
ما كاد يتفتق لسانه بالكلام وتنطلق بالسير قدماه حتى لاحت على محياه مخائل الذكاء والنجابة، وسمو النفس والقناعة يشعّان من طلعته المشرقة، وقد قصت علينا السيرة النبوية من ذلك الشيء الكثير. وكلما تقدمت به السن تمكنت من نفسه معالي الصفات فضلَ تمكُّنٍ، وزادت نورانية وإشعاعا حتى انقطت النسبة بينه وبين أترابه، وأصبح كالكوكب الدريّ يرسل أسلاكه الفضية وسط ظلام الجاهلية الدامس، دون أن يغيب عن أعين الناظرين.
(1) – لم أعثر على قائله.