محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو
الجزء ١ · صفحة ١١٤وهنا أنبه على ظاهرة كانت تخيم على الجو العلمي يزمئذ بميزاب، ذلك أنه كان يشترط لتولي المشيخة العرفية في البلدة إلى التضلع في العلم، أن يكون مرضيا عنه من السلطة الزمنية، وإلا فكيف لا يكون الشيخ اطفيش وهو مجتهد الأمة ومجدد القرن الرابع عشر، ومن بلغت مؤلفاته في مختلف العلوم المئات. كيف لا يكون شيخا عرفيا؟ كما قلت في حق الشيخ يحي بن صالح مجدد النهضة الحديثة؟ أيتولاها تلميذاهما، ولا يتوليانها هما ذاتهما، لولا ما قلنا. ثم أينفى الشيخ اطفيش في عنفوان ازدهار معهده هو وتلاميذه من مسقط رأسه إلى بنورة، لولا ذلك؟
كان إلى جانب كل شيخ من أولئك المشايخ شيوخ وشيوخ، ينشرون العلم بين طبقات الأمة ويعممون الثقافة، تأتيهم الطلبة من هنا وهناك وهنالك. فتهتز بهم شجرة العلم بميزاب وتزدهر، وإنما عطل هذه الحركة القوية أن تنعكس أشعتها إلى خارج القطر استحكام حلقات الفتن الداخلية والتعصب القبلي يومئذ بميزاب، فقد كانت حالته الاجتماعية يومئذ مريجة إلى أبعد حد. وكان يقض أولئك العلماء الأعلام -رغم مقاومتهم وجهادهم- تحت رحمة العوام الذين يحكّمون في أمثال هذه المواقف النزعة الطائفية، ويسيطرون على حالة المجتمع، رغم استنكار علماء الأمة لسيرتهم وتصرفاتهم. وما ظنك بحالة كهذه؟ أفلا تشتد محنة العلماء من سيطرة الجهال عليهم؟
لم يبل ذو العقل … الذي … جارت عليه صروف … دهره
أشجى له من … جاهل … يزري بقيمته … وقدره
يمضي حكومته … عليـ … ـه بجهله وجواز … أمره
… ويعلم الله لو ساوقت الحالة الاجتماعية بميزاب نهضتها العلمية إذن لبلغ في الحياة مكانا عليا، ولكان النموذج المثالي في الجزائر، والأمر لله.