محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو
الجزء ١ · صفحة ١١٨وويل لأمة كل فرد فيها إمام. إنما الإمام المنشود من يرشحه الانتخاب الطبيعي بغزارة علمه وبعد نظره وحكيم سياسته، ويعنو لسلطانه الروحي الكل طوعا أو كرها، ذلك ما سنتوجه به إلى شبابنا المثقف الذي تعج به البلاد ويحمل أعلى الشهادات العلمية، عساهم يعيرون التفاتة لهذه الناحية، ويتداركون الأمر قبل فوات الأوان.
لقد ازورّ شعبنا عن حياة الروح في هذا العهد الأخير بعد استقلال الجزائر، إذ انفتحت في وجهه وجوه المكاسب، فاندفعوا بلهف وراء الخبزة الطائرة، وهيهات هيهات أن يلحقوها. واستولى عليهم حب الدينا، و«حب الدنيا رأس كل خطيئة»(1) . من شرب منها جرعة ازداد عطشا، ولو أعطي ابن آدم واديا من ذهب لتمنى أن يكون له ثالث(2) .
أقبلوا بأولادهم على علم الرغيف والوظيف، وأما الدين وعلومه، والشريعة ودراستها، أما الأخلاق ومدارسها، والاستقامة وسننها، والأصالة والرجوع إليها والاستمساك بها، أما إرشاد الخلق إلى طريق الخالق، أما الإقبال على الله بالروح، وأنت بالروح لا بالجسم إنسان(3) . وهو الإرث الحقيقي للمسلم، ومناط سعادته دنيا وأخرى، أما هذه الجوانب كلها، فقد ذهبت ضحية البطن والمعدة.
(1) – سبق تخريجه.
(2) – نص الحديث عند الترمذي: «عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ كَانَ لابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ ذَهَبٍ لأَحَبَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَالِثٌ وَلا يَمْلأُ فَاهُ إِلاَّ التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ»، سنن الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا، حديث رقم2337.
(3) – إشارة إلى قول الشاعر