محاضرات البكري في العلم والعلماء عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي، الشهير بـ «البكري»

محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ١٣

ثم ما كاد ييفع حتى ظهرت دلائل العظمة والعزة على مولودنا الكريم بارزة واضحة، وعرف فيه بحيرا الراهب ذلك المنقذ الذي ترجوه الإنسانية المعذبة، لينشلها(1) من وهدة الهمجية والعسف، وذلك المربّي الحكيم بسموّ أخلاقه الذي ينتظره العالم على أحر من الجمر، ليقوّم أوده ويحمله على الجادة، ينتظره ليشيد للكمال البشري دولة تخضع لسلطانها، دولة المال والجاه والغرور. لهذا أوصى عمه أن يتوارى به عن أعين اليهود، شرّاد الآفاق وطريدي الأمم، حتى لا تُفجَع الإنسانية في وحيدها، وحتى لا ترزأ العظمة في وليدها. فما كان من عمه الذي يحبه حبا دونه العبادة، إلا أن رجع به من الشام خيفة الأعداء عليه، "والمحب لا أبالك شفوق".

ثم كلّما خطا في الحياة خطوة إلا وأرانا منه ما يزيد في نباهة شأنه وإشراقة مستقبله.

ثم، فبينما تراه يعتمد على نفسه وصون ماء محياه بكده وعمله، وينهج السبيل أمام اليتامى بعده، ويفضل أن يرعى غنما لقريش على قراريط، ولا يكون كلاًّ ولا عالة على غيره، ولو كان عمه ومن لا يثقل عليه حمله وهمّه، إذا بنا نراه عاملا يشق بتجارته طول البلاد وعرضها، ساعيا كادحا ممثلا دور التاجر النشيط العفيف، والشريك المخلص الوفي، فكان حقًّا على كل مخلص أن يلقّبه بسيد العصاميين.

حياته قبل الرسالة

بينما هو كذلك إذا بنا نراه حكَمًا عدلا يحصّن بحصافة عقله، وأصالة رأيه دماء أشرف أهلها على إراقتها، ويبدي في ذلك الموقف الحرج حنكة ومهارة ينبئان عن مستقبل باهر وشأن عظيم، وأدب عال يستمد فيوضاته من لدن حكيم خبير.

(1) – جاء في لسان العرب: نَشَل الشيء يَنْشُله نَشْلاً: أَسرع نَزْعَه. و نَشَلَ اللحم يَنْشُله و يَنْشِله نَشْلاً و أَنْشَله: أَخرجه من القِدْر بيده من غير مِغْرفة. ولحم نَشِيل: مُنْتَشَل. ويقال: انْتَشَلْت من القدر نَشِيلاً فأَكلتُه. نَشَلْت اللحمَ من القدر أَنْشُله، بالضم، و انْتَشَلْته إِذا انتزَعته منها.

١٣ / ١٤٢