محاضرات البكري في العلم والعلماء عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي، الشهير بـ «البكري»

محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ١٢٢

فقد تناول هؤلاء وغيرهم حياة فقيدنا بتفصيل واستقصاء، وأشبعوا القول بما لا مزيد عليه، وحسبي من ذلك في هذا الموقف أن أقول كلمتين مجملتين: الأولى عن عقيدته وأخلاقه وحسن عشرته. والثانية عن خوضه معركة الصحافة.

الكلمة الأولى

عاشرته مدة طويلة، وتمرست به في شتى حالاته، وخبرت نفسه بما يفضي إليّ به من حين لآخر، فكان الرفيق في عشرته، النزيه في معاملته، ضحوك السن، بارع النكتة، مرحًا إلا إذا حزبه أمر يسيء، فيتحمله صابرا راضيا بقضاء الله تعالى وحكمه محتسبا، متواضعا، كثير الاحتمال لأصدقائه، منصفا إذا أخطأ، يقبل الحق ولا يكابر، سليم الصدر لا يضغن ولا يحقد ولا يغضب، إلا إذا انتهكت حرمة من حرمات الله.

وبالجملة فقد كانت أخلاقه أخلاق السلف الصالح، وعشرته عشرة المسلم الذي سلم الناس من لسانه ويده، والمؤمن الذي أمنه الناس على دمائهم وأموالهم.

عرفت فيه المسلم الصحيح العقيدة، المخبت دينه لله، الذي لا يفتر عن تلاوة كتاب الله، اتخذه ورده الراتب، يستهل به يومه، متنسكا خاشعا لله، يوحي منظره الخشوع والتقوى والاستقامة. لم يأل جهدا في بث هذه الروح الطاهرة في نفوس معاشريه من أبناء البعثة التي كان يشرف عليها، زيادة على الدروس الدينية التي كان يلقيها عليهم دراكًا، يطعّم بها نفوسهم ويثبتهم بها على نهج الاستقامة.

عرفت فيه المؤمن القوي: قوي في إيمانه، قوي في أخلاقه وإخلاصه، قوي في موقف الحق لا يحيد عنه ولا ينثني، قوي على أعداء الله، لا ترهبه قوتهم ولا كثرتهم، معتصما بالله الذي كتب لنفسه العزة ولرسوله وللمؤمنين. غيور على الإسلام ومؤسساته ووحدته، ويسوءه أن يرى المسلمين أنىّ كانوا مضطهدين مختلفين جاهلين.

- هذه النفسية الكبرى هي التي حملته على الهجرة إلى يسجن ليتلقى معلوماته عن مجتهد الأمة الشيخ امحمد اطفيش رحمه الله.

- وإلى تونس سنة 1912، و1916 لملازمة حلقات الزيتونة.

١٢٢ / ١٤٢