محاضرات البكري في العلم والعلماء عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي، الشهير بـ «البكري»

محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ١٢٦

هزهزت هذه الصحف أقطار الأمة ورجَّتْها رجًّا عنيفا، ورفعت من قيمة الإصلاح الذي يعتبر صاحبها أحد أعلامه، وذللت العقبات ومهدت الصعوبات أمام العاملين، وشدخت رؤوسا عالية أعلاها الطغيان، فأطارت من أنوفها غنزوانتها، وجففت دموعا كاذبة كان يتخذها الجامدون سلاحا يُغرون به بسطاء الأمة، وساذجيها. وربطت صلات الأمة الميزابية بالمجتمع الإسلامي، فعرفها كثير من قراء العربية بعد أن كانت مجهولة لديهم تماما. ورفعت للجزائر رأسا في عالم الشرق والغرب، وشقت طريق الصحافة الوطنية أمام الأمة الجزائرية. وحلت مشاكل اجتماعية وعلمية كانت أعقد من ذنب الضب. يستمسك بها خصوم الإصلاح، ويتخذونها ذريعة لاصطياد العامة. فاستبانت الأمة طريق الرشد، ونزع الكثير رقبته من ربقة الذين يصطادون في الماء العكر، فزاد ذلك في الإصلاح بقدر ما نقص من جانب خصومهم.

وبالجملة فقد نزعت الصحافة التي أشرف على تحريرها الشيخ أبو اليقظان أشواكا كثيرة من طريق الإصلاح، وصاولت دونه حتى تأتّى له أن يتقدم تقدما لولا الصحافة ما كان يتقدمه.

ودونك أبرز المواضيع التي طرحتها وأعطتها كامل عنايتها، فأتت بثمرات لا يجحدها إلا كافر النعمة ولا ينكرها إلا ناكر الجميل:

1. صرخت في الأمة صرختها الداوية إلى العلم، فاستفاقت من سباتها نوعا، وسار تيار هذه الدعوة في أوساطها فأقبلت على مناهله، وإن كان إقبالا في فتور، وشربت وإن كان شرابها ارتشافا، وشفًّا لا اشتفافا، ولا عبًّا ولا اكتراعا.

2. نازلت بعض طواغيت الحكام، الذين يظنون أنهم بنجوة عن القانون، ويخيل إليهم أنهم الحاكمون بأمرهم، لا معقب لحكمهم ولا راد لأمرهم، فكشفت القناع عن مخالفاتهم، وأسمعتهم كلمة الحق قاسية، وناقشتهم الحساب في عدة مواقف، الأمر الذي قيد اندفاعهم وتركهم يتفكرون قبل أن ينبعثوا، ويرتدون أحيانا مخافة التعقيب والمناقشة والتشهير.

١٢٦ / ١٤٢