محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو
الجزء ١ · صفحة ١٤ثم لا يلبث التاريخ أن يعرف فيه ذلك الزوج الرقيق الشعور، القوي الإحساس، المشبوب العاطفة، الضحوك السر، الذي يغمر الأسرة ببشره، بدماثة أخلاقه وكريم عشرته وألفته. ولا عجب، وهو القائل: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»(1) .
وأن يعرف فيه بعد ذلك الأب الشفوق الذي يرحم ضعف الأنثى التي قضت عليها وحشية الجاهلية وظلم الشرك بالوأد، ويحرر الولد الذي قضي عليه وهم الخرافات وقساوة الوثنية أن يقدّم كيسه قربانا للأوثان التي لا تنفع ولا تضر. فيسنّ بإنسانيته الكاملة أسباب سعادة الأسرة وينقذ من براثن الموت شريكة الرجل وقسيمه، بل شطر العالم بأكمله.
وبالجملة فقد خصه الله بلطفه في وسط هو منبع كفر وفساد، ومستنقع أوهام وخرافات، وأتون حروب ومشاجرات، فلم يقع فيما وقع فيه غيره، لم يسجد لصنم قط، ولا أكل من قرابينها، ولا شهد لها عيدًا، ولا حضر مجلس لهو، ولا أتى فاحشة، إلى غير ذلك من المفاسد التي عمّ ضررها واستشرت عدواها، بل أدبه ربه فأحسن تأديبه، فكان بما حباه به مولاه من خلق عظيم، وطبع سليم، مثلا أعلى للكمال البشري. أرضاهم أمانةً، وأرجحهم عقلا، وأسلمهم فطرة، وأعفّهم نفسًا، وأنزههم حكما، وأمضاهم إرادة، وأكثرهم تفكيرا، وأجمعهم لمعالي الصفات، حتى لقبه قومه بالأمين، صلى الله عليه وسلم وعلى آله أجمعين.
وأحسن منك … لم تر قط عين … وأكمل منك … لم تلد النساء
خلقت مبرءًا … من كل عيب … كأنك قد خلقت … كما تشاء(2)
رسالته وتأثيرها العجيب
(1) – أخرجه الترمذي، كتاب المناقب عن رسول الله، باب فضل أزواج النبي، حديث رقم3895.
(2) – البوصيري، الهمزية في مدح خير البرية.