محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو
الجزء ١ · صفحة ١٣٠وهنا لص رابع "لص عقول" ميزابي الأصل، مشهور لدى مكاتب الأمن العام، هو إبراهيم بن الحاج عيسى أبو اليقظان، وهو بلا شك من ضمن هذه العصابة (يريد بالعصابة الزعماء الذين تصدوا لإيقاظ الشعب أمثال العقبي وابن باديس والإبراهيم المتكلم عنهم في الأصل) وهو ألد أعدائنا. تلقى دروسه في تونس، وأنشأ هناك مدرسة لتعليم الناشئة الميزابية، ثم استقر بالجزائر، فأبرز جريدته "وادي ميزاب" التي لم تلبث الإدارة أن عطلتها كما عطلت لاحقتيها "ميزاب، والمغرب". وأنه الآن بصدد إبراز جريدة "النور" التي هي لسان حال الوطنيين، فهي تنتقد السلطات العامة انتقادا مُرًّا لاذعا، وقد أخذ المسلمون الذين يتصلون بهؤلاء يقلقون المسلمين الذين لا يزالون يحافظون على مودتنا … إلخ إلخ»
نشرت كل ذلك تحريشا وإغراء للسلطات العامة لتضرب على يد الشيخ أبي اليقظان، ولكن كلما حاولت هذه إسكاته بوأد جريدة من جرائده، طلع عليهم بنغمة جديدة، وأفهمهم بالبرهان المحسوس أن صوت الحق لا يخنق، وروحه لا تكبت. وأن العمل إذا قصد به وجه الله لا يعطل، أو تستقر معانيه بحبات القلوب، ثم لا تلبث تلك البذور أن تنبت فتثمر ثمراتها المطلوبة في المجتمع.
هذا ولا أدل على نفسية الشيخ أبي اليقظان من محادثة دارت بينه وبين م. مرانت، مدير الأمور الأهلية الذي استطاع بمكره ودهائه أن يخمد في الأمة الجزائرية الروح الوطنية جيلا أو يزيد. ويضرب بعضها ببعض، فيهدم هذا ما بناه ذاك، ويطلع بواسطة الواحد على ما يُبَيِّتُه ويدبّره الآخر في الخفاء، فيَبِيتَ هنيئ البال قرير العين من الاثنين.
أما عن الشيخ أبي اليقظان فإنه لما عجم عوده وأبلى عقيدته وجده أصلب نبعا وأسمى عقيدة، مما كان يظنه ويقدره، ولقد طالما حاول أن يدرك منه ما أدركه من غيره فلم يفلح. لم يستفزه وعده ولا نهنهه وعيده، فلما أعياه أمره حاول مساومته جهارا فجرت بينهما شبه المحاورة الآتية: