محاضرات البكري في العلم والعلماء عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي، الشهير بـ «البكري»

محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ١٣٧

سخر هذه المزايا في تحصيل العلم ونشره، وغرس الفضيلة وتربية الجيل، وخدمة الأمة في مختلف ميادين الحياة، ما يزيد على ستين سنة، في جهاد مستمر وعناء لا يشبهه عناء، لم تفتر له كلمة ولا نكست له راية، ولا انغلقت في وجهه وجوه المطالب، بل ظل يشق طريقه مندفعا نحو هدفه الأسمى، من نصرة الدين والسعي بالأمة إلى حسن المصير.

لقد كان -رحمه الله- عصاميا في تكوين شخصيته العلمية، لم يفارق مسقط رأسه في طلب العلم، ولم يرحل ككثير من زملائه وطلبته إلى الخارج، كتونس ومصر وسوريا والعراق، لكن الله بارك له في القليل الذي ورثه عن أشياخه بمسقط رأسه، وساعده استعداده وعبقريته فبلغ من العلم مكانة سامية لم يبلغها كثير ممن عقدوا إليه الرحلات، ولازموا سنين مجالس العلماء في هاتيك الأقطار، فضلا من الله ونعمة.

درّس أمهات الكتب في شتى العلوم: كصحيح البخاري بشرح ابن حجر في الحديث. ودلائل الإعجاز في البلاغة، وأمالي القالي في الأدب، ومغني اللبيب في النحو، وتهذيب المنطق في علم الميزان، وعظة الناشئين في الاجتماع، وكتاب النيل في الفقه، وطلعة الشمس للسالمي في أصول الفقه، ورسالة الشيخ محمد عبده في التوحيد، درّسها بأسلوب جذاب وتحقيق في عمق، واستدراك وتعقيب في اتزان، فكان بدعا في أسلوبه وعمق تفكيره، وفتح مغلقاتها وبيان أسرارها. وعلى رأس هذه الكتب كتاب الله العزيز، فقد أولى لتفسيره عنايته الكاملة، ما يقرب من نصف قرن، فأبقى لنا ثروة أدبية غالية، وذخيرة علمية مسجلة لا تقدر قيمتها، ستكون مفخرة للجيل، وذكرا للجزائر وأبنائها، متى أتيح لها طائفة من أبنائه الروحيين يدونونه وينشرونه، وإنهم لفاعلون إن شاء الله. ﴿ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ ﴾(1) .

(1) – سورة الروم، آيتان: 4-5.

١٣٧ / ١٤٢