محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو
الجزء ١ · صفحة ١٣٨ومما دفع بعجلته إلى الأمام أن توارد عليه أفواج من أذكياء الطلبة كانوا له بذكائهم ومحاوراتهم نعم المحفز، ومن أكبر العوامل في إبراز ما كمن فيه من نبوغ وعبقرية.
رابط في ثغر العلم وصبر وصابر، حتى تخرج عليه أفواج من نبهاء الطلبة، فيهم المعلم المربي، والمؤلف، وفيهم الواعظ الداعية إلى الله، وفيهم الكاتب والشاعر، والمصلح الاجتماعي، الذي تدور على محوره شؤون قومه، سدّ بهم مراكز الحياة في الأمة، وأمدّ بهم معاهد العلم هنا وهنالك، كانوا امتدادا لحياته العلمية، ومددا لحركته الوطنية، يرددون صداه وينصرون فكرته الإصلاحية، وعونا له في أداء رسالة الجيل.
طعّم نفوسهم بمبادئ الوطنية الحقة وصقلها بآداب الإسلام العالية، فكان ينتخب لهم المواضيع الحية من المجلات الإسلامية المعتبرة، كمجلة الفتح ومجلة المنار ومجلة الرسالة، فيشرحها لهم بأسلوبه البليغ وتحليله الفلسفي، فيحدث في نفوسهم ثورة، الأمر الذي أخرج فيهم جندا محمديا صحيحا في عقيدته، ثابتا في مبدئه، نبيلا في مقصده، دفع بهم إلى غمار المجتمع يصولون ويجولون ويشيعون الحياة في الأوساط، ويحدون ركب الحياة بخطبهم الوطنية، وأناشيدهم الحماسية، وأفكارهم الثورية، شارك الجنوب بهم وبمن نشأ على أيديهم في ثورة حرب التحرير التي انبثق عنها استقلال الجزائر.
هذا، ولا يزال سيله في اشتداد، وغرسه في ازدياد، وناهيك به حرثا وعملا، يدخل عليه بفضل الله وبرحمته أطباقا من نور بعد أن انتهت حياته وصار إلى جوار ربه. قال صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له».
وبالجملة فقد واجه فقيدنا رحمه الله واجهات ثلاثا:
1. الواجهة العلمية، وقد أسلفنا كلمة موجزة عنها.