محاضرات البكري في العلم والعلماء عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي، الشهير بـ «البكري»

محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ١٣٩

2. واجهة المجتمع. وقد خاض غمارها معظم حياته، لم يسالم ولم يهادن، بل ما فتئ جيش خصومه المؤلف من أنصار التقليد، وخادمي ركاب الاستعمار، وذوي الغايات الشخصية، يتألب عليه بغيا وحسدا، مستعينا بالعامة الساذجة الذين أفسدوا قلوبهم عليه، وعلى أنصاره بدعاياتهم الفاجرة، وانساقوا وراءهم، فكانوا ضغثا على إبّالة.

فانبرى يقاوم الكل، وكانت له معهم معارك حامية، عدته في كفاحه الحجة البالغة، والأسلوب المقنع، وتحرّي الصدق، والصبر على ما يناله من مكروه في الله، ظل ثابتا في الميدان يكافح وينافح دون مبدئه الحق، ونظراته الصادقة في الحياة، إلى أن خرج من الميدان منتصرا مرفوع الرأس موفور الكرامة، وأخذت النفوس تقتنع شيئا فشيئا، وتطور الحياة يؤيده بواقعه. وأخذ صوته يعلو، وصوت خصومه يخفت، وهكذا العاقبة تكون للأصلح، ﴿ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ ﴾(1) .

أجل، أصبح نجمه يزداد تألقًا كلما جدّ به المسير، وجيشه ذيوعا، وأعماله ترغم الضد على الاعتراف بالحقيقة وهو في كل ذلك يتأدب بأدب القرآن، ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾(2) . لا يتكبر ولا يتعالى ولا يقابل السيئة بالسيئة، واستطاع أن يبلغ بنبله وتسامحه ما لايبلغ بنباله وسلاحه.

لا جرم أن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه.

(1) – سورة الرعد، آية: 17.

(2) – سورة فصلت، آية: 34.

١٣٩ / ١٤٢