محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو
الجزء ١ · صفحة ١٥أرسل الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - والعالم أجمع في تطاحن وتناحر، أسير العسف والرهبوت، وقتيل الظلم والجبروت، يرزح تحت أثقاله وأوزاره، ويتشحّط في دمائه، والجزيرة العربية على الأخص مشتتة الأهواء والآراء، ومختلفة المنازع والميول، فمن يهودية محرفة، إلى نصرانية مزيفة، إلى صابئة منحرفة، إلى وثنية خرافية، إلى عبادة الكواكب والملائكة وغيرها.
جاء - صلى الله عليه وسلم - والجماهير في غالب الجزيرة عاكفة على عبادة الأوثان، التي لا تنفع ولا تضر، والنفوس غارقة في بحار الشهوات، مسترسلة وراء الملذات، وفاسد العبادات، يئدون بناتهم ويقتلون أبناءهم سفهًا بغير علم، خوف الفقر والعار. ينكحون بالإرث نساء آبائهم، ويَسْبُون في الحرب عقائل بعضهم، فيصبحن إماءً مَهينات، وإن كن من الشريفات النبيلات. دأبهم الغارة والنهب والفتك، وشنشنتهم البغي والظلم والسفك. هجيراهم المكر والغدر والإفك. يثيرون لأجل ناقة أو غدر في مسابقة حربًا ضروسا تأتي على الأخضر واليابس، ربما استمرت نيرانها مشتعلة ما يربو على جيل من الزمن، كحرب البسوس والداحس والغبراء. يأكلون أموال اليتامى، ويعضلون عن الزواج الأيامى. يمضون أوقاتهم في اللهو والعزف والقصف، ويفنون أموالهم في القمار والخمر والفجور بالمائة والألف.