محاضرات البكري في العلم والعلماء عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي، الشهير بـ «البكري»

محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ١٦

وبالجملة قد جاءهم والفساد قد شب حريقه في أطراف الجزيرة، والدنيا على قاب قوسين أو أدنى من الدمار والاضمحلال، فانبرى - صلى الله عليه وسلم - انصياعًا لأمر ربه، وشمّر عن ساعد الجد لإصلاح هذا الفساد المتناهي، فدعاهم إلى توحيد الله - عز وجل - وعبادته وحده، وإلى خلع الأوثان والأصنام، التي هي منبع الأوهام والخرافات المنافية للفطرة السليمة، وإلى الاعتقاد بيوم البعث والنشور، وإلى ترك الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وإلى التحلّي بمكارم الأخلاق. فكان سلاحه الحاد في هذه الدّعوَة المباركة الجرئية "القرآن"، وبيانه الساحر، وحججه المقنعة، وأسلوبه الحكيم الأخاذ، وحكمته الرائعة؛ إلى ما أوتيه - صلى الله عليه وسلم - من عذوبة المنطق، ونصاعة التعبير، وذلاقة اللسان، والاقتدار على الإقناع، مع ما أوتي من قوة روحية تأسر النفوس النافرة، ويستنزل طائرَ عنادها بالحكمة والموعظة الحسنة.

ولقد تناول القرآن نواحي المجتمع البشري المتداعي فأفاض القول فيها، وكشف القناع عن مواقع الضعف ومنابع الداء، ببيان شاف هو أبين شرح لما أصبح عليه المجتمع من التدهور والانحطاط. ثم تناول بالتقريع والتشنيع أسارى التقليد الذين عطلوا عقولهم عن التفكير متشبثين بما وجدوا عليه آباءهم، وإن كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون. وأثنى باللائمة على الذين يتعامون عن الحق يجحدونه بعد أن استيقنت به أنفسهم ظلما وعلوًّا، حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق، وبغضًا للإنسانية أن تشرق عليها أنوار الهداية، حذرًا أن يفوتهم شيء من حطام الدنيا، أو يضعف جانب سلطانهم الزائف ونفوذهم الزائل.

هذا، وبعد أن حلل قضايا المجتمع بوجه عام خصّ بعض مسائله الرئيسية كمحاجّة منكري البعث ووثنيي العرب، وكوصف يوم القيامة وأهواله، والجنة والنار، وما في الأولى من عيشة راضية ونعيم سرمدي، وما في الثانية من شقاء وعذاب أليم.

١٦ / ١٤٢