محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو
الجزء ١ · صفحة ١٧تناول هذه المسائل من نواحيها المتعددة، وأدار الكلام عليها بكيفيات مختلفة، لم يعهد مثلها في الكلام العربي المبين، على ما بلغ من سمو المكانة والمنزلة.
فهو إن وصف جزاء المتقين في دار رضوانه خلت النفوس الحساسة تكاد تثب من بين ضلوعها شوقا إلى النعيم المقيم، وإذا أرسل صواعق التهديد، وشرح آيات الوعيد، وما أعدّ للكفرة المعتدين في دار عذابه، ألفيت النفوس تكاد تزهق من هول المصير، والمرائر توشك أن تنفطر إشفاقا من عذاب السعير. كل ذلك بأسلوب أخاذ جذاب يكاد يذوب رقة، ويقطر نضارة، ويرف رفيف الأزهار في عنفوان الربيع الممرع، وتخاله في حال الغضب بحرا مزبدا جاشت غواربه، واحتدت عاصفته، أو بركان ثارت ثائرته فقذف بالنار والحمم، ولكنه في حالتيه معًا يأخذ بمجامع القلوب ويمتزج بلحم الناطقين بالضاد ودمهم طوعا أو كرهًا.
فهو إن رق نسيم … نافح … بشاي الخلد … وأنفاس النعيم
وإذا ثار فجمر … لافح … يستمد الوقد من نار الجحيم
وإن ضرب لمسألة البعث والنشور أمثلة، ووصف يومها الهائل، قهر النفوس المتمردة، وأيقظ الشعور الذي أماتته الغفلة عن التفكير في العاقبة، فأقض مضاجع أسارى التقليد الأعمى، وأقلق أفكار الذين استولى عليهم التعصب الممقوت والانتصار للقديم كيفما كانت صبغته، وأيًّا كانت صفته، فزعزع أركان العقيدة الباطلة، وزلزل بنيان العوائد الفاسدة، فأحدث في الضمائر ثورة عميقة اجتثت منها شجرة الوثنية وغرست مكانها أخلاقا زكية هي إكسير الحياة والسعادة، كالرحمة والعدل والإيثار والوفاء والشجاعة، والعفة والنجدة والرفق في المعاملة، والإحسان إلى الخلق والإخلاص لله في العمل، والإحسان بالوالدين والقرابة والجيران، والتضحية والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، إلى غير ذلك.