محاضرات البكري في العلم والعلماء عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي، الشهير بـ «البكري»

محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ١٨

أو عاب الأوثان والأصنام وسفّه أحلام العاكفين على عبادتها، صوّر لك السفاهة في أبشع صورها، وأراك كيف يرتد الإنسان –الذي شرفه الله بالجوهرة الكريمة- وفضّله على كثير من خلقه تفضيلا- إلى أسفل سافلين، فينحت حجرا أو ينجر خشبا، فيتعامى عن فعله ويعتقد في ذلك الجحر الصلد وتلك الخشبة الجامدة تأثيرا وقوة وسلطانا، ويتقرب إليه بما لا يتقرب به إلا الى الله خالق الموجودات، ورب الأرض والسماوات. وهو يعلم أنه لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع ولا يضر، وأنه لم يكن بتلك الحالة إلا بعد أن نُقرت رأسه وقُرعت بالقَدوم، أو ملست وصقلت بالمنجرة.

وإنْ ذَكَرَ نظم العمران وسنن الله في خليقته، وذكّر بأيام الله، وما جرى للأمم الغابرة التي طغت في الأرض فسادًا، فصب الله عليها سوط عذابه، رأيت أولئك الأعراب الرعاة الجفاة الذين كانوا يدسّون بناتهم في التراب مفتخرين ، رقيقي الشعور مرهفي الحس، أحياء الوجدان، يحملون مشعل الرقيّ والحضارة إلى أمم العالم، وينشرون مبادئ العدل والرحمة والإنسانية بين أقوام الأرض ذات الطول والعرض، لا يراقبون إلا الله الذي يعلم منهم ما يخفون وما يعلنون، لا يكاد الواحد منهم يخلو بنفسه ويتفكر في حاله ومآله، حتى تفيض عيناه من خشية الله، فيدفع به الإشفاق إلى استرضاء خالقه وإطفاء غضبه بابتغاء الوسيلة إليه، وسيلة العمل الصالح، والتجافي عن موجبات سخطه ونقمته.

وبالجملة فقد أثر القرآن الكريم أعمق الأثر في نفوس أولئك القساة الذين قال شاعرهم مفتخرا:

لنحن أغلظ أكبادًا من الإبل(1) .

(1) – أورد القرطبي، هذا البيت ولم ينسبه، إذ قال: «ومن ذلك قول الشاعر

يُبكَى علينا ولا نبكي على أحد … ثم لنحن أغلظ أكبادا من الإبل.

القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج4، ص248.

١٨ / ١٤٢