محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو
الجزء ١ · صفحة ٢٥فلما أخفقوا في هذه المحاولة، واصطكت رُكَبُهم بالثبات على مبدإ الحق والشمم والتنزه عن المقاصد المادية الدنيئة، رأوا أن يلطفوا من مقترحهم، وسألوه أن يشاركوه في عبادته سنة، ويشاركهم في عبادتهم سنة. فأنزل الله قوله: ﴿ قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ() لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ() وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ() وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ() وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ() لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾(1) . فأيسوا أن يجيبهم لما طلبوه من الإشراك بالله.
ثم عرضا عليه أن يحذف من القرآن ما يغيضهم من ذم الأوثان وتسفيه الأحلام، والوعيد الشديد، ويأتي بقرآن غيره، أو يبدله. فأنزل الله جوابا لهم: ﴿ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ ﴾(2) .
ثم إنهم لجؤوا إلى التعجيز واقتراح الآيات التي ظنوها تحديا للرسول - صلى الله عليه وسلم - ، فاجتمعوا وقالوا: يا محمد، إن كنت صادقا فأرنا آية نطلبها منك، وهي أن تشق لنا القمر فرقتين، فأعطاه الله هذه المعجزة، وانشق القمر، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «اشهدوا»(3) . وقد ذكر ذلك في القرآن في قوله تعالى: ﴿ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ﴾(4) . فحينما رأى المعاندون هذه الآية الكبرى قال بعضهم: لقد سحركم ابن أبي كبشة. فأنزل الله فيهم: ﴿ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ﴾(5) .
(1) – سورة الكافرون كاملة.
(2) – سورة يونس، آية: 15.
(3) – الحديث أخرجه البخاري، كتاب المناقب، باب سؤال المشركين أن يريهم النبي آية فأراهم انشقاق القمر، حديث رقم:3437.
(4) – سورة القمر، آية: 1.
(5) – سورة القمر، آية: 2.