محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو
الجزء ١ · صفحة ٢٦ثم إنهم سألوا بعد ذلك أيات لا يقصدون بها إلا التعنت والتعجيز، قالوا -كما في سورة الإسراء-: ﴿ وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا() أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا() أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ قَبِيلاً() أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ ﴾(1) . ولم يجبهم الله على لسان رسوله إلا بقوله: ﴿ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولاً ﴾(2) . لأن الله يعلم ما تكنه ضمائرهم من عناد وتعصب، فلا يؤمنون بما تجيئهم من البينات، كما قال جل ذكره في سورة الأنعام، ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾(3) . وكيف يرجى الإيمان ممن قالوا: ﴿ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾(4) . ولم يقولوا إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه.
ومن سنة الرسل أنهم إذا رأوا من أقوامهم أن طلبهم الآيات لا للامتناع وإنما هو للعناد والتعجيز، لا يسألونها من الله، مخافة نزول الهلاك بهم. وهذا هو المراد بقوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿ وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ ﴾(5) .
إمعان قريش في العنف والإيذاء
(1) – سورة الإسراء، الآيات: 90-93.
(2) – سورة الإسراء، آية: 93
(3) – سورة الأنعام، آية: 109
(4) – سورة الأنفال، آية: 32.
(5) – سورة الإسراء، آية: 59.