محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو
الجزء ١ · صفحة ٢٨ولكن، أتدري ما هو مقترحهم هذه المرة؟ إنه لسخيف. طلبوا منه أن يعطوه أنهد شاب في قريش، عمارة بن الوليد، ليتبناه، فيسلم إليهم ابن أخيه، يقتلونه، وإلا نابذوه هو ومحمد بحرب، بل وبني هاشم أجمعين. بيد أن الله سخر أبا طالب لصيانة حبيبه وحمايته، فأجابهم بقوله: عجبًا لكم، أتعطوني ابنكم لأغذُوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه؟ إن هذا لشيء عجاب.
مقاطعة بني هاشم وبني المطلب
هنالك فُتَّ في عضدهم، وعلموا أن محمدا أصبح بنجوة منهم، أمنع من عُقاب الجو، ومن لهاة الأسد، لهذا صمموا العزم على العود إلى سياسة الشدة والإرهاب، فعملوا على مقاطعة بني هاشم، ومن انضم إليهم، وإخراجهم من مكة إلى الشِعب. وكتبوا بذلك صحيفة علقوها في الكعبة حتى لا يستطيع أحد بطون قريش أن يخالف. وبالفعل تم اتفاقهم وأخرجوهم وحاصروهم هناك مدة ثلاث سنوات. قطعوا عنهم الإمدادات والأقوات. وحرموهم من حقوقهم المدنية، لا ينكحون ولا ينكحون إليهم، لا يبيعون لا يبتاع منهم شيئ، تضييقًا عليهم أو يسلموا محمدا للقتل.
لكن العناية الإلهية سخّرت لنبيه ذويه مسلمهم وكافرهم، فصبروا معه على هذه الشدة التي لا تطاق، تلك المدة الطويلة، وامتنعوا من تسليمه، وإن كان جلهم على غير دينه، حميةً وعصبيةً، ففضلوا -وهم هم إباءً وأنفة- أن يأكلوا أوراق الشجر حتى تتقرح أشداقهم، ويقابلوا بنحورهم القنا المشتجِر، ولا يخذلون ابنهم، لأن ذلك عندهم عار الدهر، وقاصمة الظهر.
وإذا السعادة لاحظتك … عيونها … نم، فالمخاوف … كلهن أمان
واصطد بها العنقاء … فهي حبائل … واقتَدْ بها الجوزاء … فهي عنان
فكان ثباتهم مع الرسول في هذا الموقف الضنك والامتحان القاسي على اختلاف عقيدتهم من أروع المواقف التي عرفها التاريخ.
اشتدي أزمة تنفرجي