محاضرات البكري في العلم والعلماء عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي، الشهير بـ «البكري»

محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ٢٩

أما الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، فلم يفتأوا صابرين على هذا البلاء المبين، لم تلن قناتهم لغامز، مستصغرين عقاب المخلوق تجاه عقاب الخالق، ومستعذبين تلك المرارة في سبيل الحق وراحة الضمير، واستساغوها. هنالك قيّض الله من رجالات قريش من نقض مبرم الصحيفة، ففك عنهم الحصار، فعادوا إلى ميدان الكفاح والصراع كأول مرة. واستمروا قابضين على دينهم وسط تلك النيران المشتعلة، ما يقبض على الجمر، وعددهم يزداد رغم ذلك، وإن بِبُطء. ولم ينفك الرسول -والأصحابُ حوله- يرفع عقيرته بالدعوة، دعوة القبائل يعرض نفسه عليها حين ترد الموسم، يلتمس منها المعونة على نشر دين الله، والخلاص من الشدة التي طال أمدها، فكان بعضها يرده ردًّا جميلا، وبعضها يشترط لقبول دعوته وإعانته شروطا، يأباها عليها. وبعضها ترده أقبح ردّ، طغيانا وسفهًا، أو خوفا وتزلفا لقريش، إلى أن انبثق له من نيران الأوس والخزرج نور أضاء السبيل للدعوة، فسارت عليه إلى أن بلغت كمالها، وشاء ربك أن يجعل من ذلك الفساد صلاحا، ومن تلك العداوة والفرقة وحدة ووئاما. وهكذا لا يصلح هذا العالم إلا بالفساد الذي فيه. وما ينفع الكبد يُضرّ بالطحال.

بذا قضت الأيام … ما بين أهلها … مصائب قوم عند … قوم فوائد

٢٩ / ١٤٢