محاضرات البكري في العلم والعلماء عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي، الشهير بـ «البكري»

محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ٣٠

سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلا، فإن الأوس والخزرج لما أسرفوا في العداوة، وأباد الحديد يوم بُعاث خضراءهم(1) ، دفع حب الانتقام ببعض رؤساء الأوس فقدموا إلى مكة يلتمسون النصرة من قريش القوية، فصادفهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - في مكة، وعرض عليهم الإسلام ونصرته، وأن الإسلام خير رسالة لرفع الكابوس الجاثم على صدورهم، فأوشك بعضهم أن يسلم في تلك اللحظة، لولا أن صرفه بعض رفقائه، فلما كان الموسم القابل جاء نفر من الخزرج فتعرض لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، كعادته، ودعاهم إلى الإسلام ومعاونته في تبليغ رسالة ربه، فقال بعضهم لبعض: إنه النبي المتظر، الذي كانت تعدكم به اليهود، فلا يسبقنكم إليه. فآمنوا به وصدقوه وقالوا له: إنا تركنا قوما بيننا وبينهم من العداوة ما بينهم، فإن يجمعهم الله عليك، فلا رجل أعز منك، ووعوده المقابلة في الموسم القابل، فكانت هذه المقابلة النواة الحية، لم تزل تنمو دِراكًا إلى أن أصبحت يوم العقبة الثانية شجرة مباركة تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، إذ بايعوه على الحماية مما يحمون منه أهاليهم وأولادهم، في السراء والضراء، حال الرخاء والغضب، ولو كلفهم ذلك محاربة الأحمر والأسود.

بايعوه بقلوب ملؤها الغبطة بتلك الصفقة الرابحة، ونفوس تؤمن بحسن المصير. الأمر الذي دفع شاعرهم إلى تصوير هذا الإحساس والشعور الجياش، الذي يملأ نفوسهم. فقال:

ثوى في … قريش بضع عشرة حجة … يذكّر لو يلقى … صديقا مواتيا

ويعرض في كل المواسم … نفسه … فلم ير من يودى … ولم ير داعيا

فلما أتانا أظهر الله … دينه … فأصبح مسرورا … بطيبة راضيا

وألفى صديقا … واطمأن به الثوى … وكان له عونا … من الله باديا

(1) – يوم بُعاث، من أيام العرب المشهورة في يثرب، إذ نشبت حرب بين الأوس والخزرج أتت على رؤسائهم، وأضعفت قوتهم أمام اليهود. وكان ذلك من أسباب مسارعتهم للإسلام، فلم يصدهم كبراؤهم عنه، كما فعلت صناديد قريش مع أتباعها.

٣٠ / ١٤٢