محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو
الجزء ١ · صفحة ٣٢هنالك، إذ بلغ السيل الزُّبَى(1) ، وتبيّن أن القوم مستكبرون لا تؤثر فيهم نصيحة الناصحين، قد أضلهم الله على علم، وختم على قلوبهم، وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة، فأضحى مكث الرسول - صلى الله عليه وسلم - بين أظهرهم –والحالة هذه- ضربا من العبث، وتضييعا للعمر الثمين سدًى -سيما وقد بلغت بهم النذالة والإذاية إلى الاغتيال بالكيفية الماكرة- أذن الله لرسوله وحبيبه أن يهاجر إلى المدينة، أرض أخواله وأنصاره، حيث تجد الدّعوَة تربة خصبة، وحيث تبسق شجرتها وتترعرع فتمتد فروعها إلى جهات الأرض، فتقيها حر الجحيم.
خرج من داره -وجيش المؤامرة مرابط ببابها- تكلؤه عين الله التي لا تنام، وقد ضرب النوم على أعينهم، فشقّ وسطهم طريقه وهم لا يبصرون، قاصدا غار ثور، صحبة رفيقه ووزيره أبي بكر - رضي الله عنه - ، ومن هناك إلى المدينة المنورة، في قصة طويلة.
فلما حلّ بالمدينة حلول الربيع الممرع، والتفّت حوله الأنصار والمهاجرون كالبدر حوله هالة، معتزين مستبشرين، كل يفديه بالأب والأم والحا ل والعمر، آخى بينهم وأَلْحَم قلوبهم بلحمة الدين، ونَظَم صفوفهم في إطار من وحدة العقيدة والمبدإ والغاية، وغذّى نفوسهم بروح الفداء والتضحية.
(1) – الزُبْيَةُ: الرابِيةُ التي لا يعلوها الماء وفي المثل قد بَلَغَ السَّيْلُ الزُّبَى ؛ يضرب مثلاً للأَمر يتَفاقَم … أَو يتَجاوَزُ الحدَّ حتى لا يُتَلافَى.
ولها معان عديدة أخرى. انظر: ابن منظور، لسان العرب، مادة: زبية.