محاضرات البكري في العلم والعلماء عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي، الشهير بـ «البكري»

محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ٣٣

بعد ذلك أذن الله له أن ينازل أعداء الدّعوَة، وأنزل عليه قوله تعالى: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴾(1) . وهنالك شمّر للقضاء على جراثيم الفساد، وتخليص المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين تخلّفوا عن قافلة الهجرة من مخالب الفتنة وأنيابها، فاصطدم بهم في أكثر من ستين موقعة كان النصر حليفه في هذا الجهاد المقدس، يسلمه نصر إلى نصر، وينقله من فوز إلى فلج. فلا غرو أن نرى قواه تزداد ازديادا مستمرا، كلّما امتد به السير، ونفوذه يتسع اتساعا متداركا كلّما جابه عظيمة، فنجح فيها، ونرى هذا النجاح يزيده مضاء، ويملأ جوانب نفسه الكبيرة إيمانا بالنصر النهائي، فيزداد اندفاعًا في سبيل تحقيق المهمة التي لأجلها خُلق وأُرسل.

كاتب ملوك عصره يدعوهم إلى الإسلام، وأرسل الرسل إلى القبائل والشعوب يبشرون وينذرون، وكتائبَه إلى من تحدثه نفسه بالوقوف حجر عثرة، ومعاكسة سير الدّعوَة، فيُنزله من علياء جبروته، ويريح الإنسانية من شره المستطير، وهكذا حتى قهر فلول الذين يصدون عن سبيل الله، ويبغونها عوجًا، في كل ميدان. وقعد لهم في كل مرصد، ولم يزل كذلك حتى استوسق(2) له الأمر ودانت لسلطانه كامل الجزيرة، وطهّرها من رجس الوثنية والشرك، ووباء اليهودية الخبيث، واستقامت قناتها لغامز الدين كسيرة كعوبها، فأصبحت معقل الإسلام المنيع، ومصدر الإشعاع، يُفيض على أقطار الأرض الحياة والسناء، وتتدفق عليها بالغذاء والنماء.

خاتمة

(1) – سورة الحج، آية: 39

(2) – استوسق استيساقا: اجتمع وانقاد. واستوسق الأمرُ: انتظم. واستوسق له الأمر: أمكنه. - واتسق الأمر: انتظم واستوى.

٣٣ / ١٤٢