محاضرات البكري في العلم والعلماء عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي، الشهير بـ «البكري»

محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ٣٤

وما التحق سيد الوجود بالرفيق الأعلى إلا بعد أن سارت الدّعوَة سير الضياء في الأبعاد، وزلزل أقطار الأرض زلزالا شديدًا، وأدال من دولها الغاشمة، وحرر العباد من عبادة العباد، وقلب نظم العالم عاليها سافلها، وأجلس الحفاة العراة رعاء الشاء والإبل -الذين كان جل همهم شبع وريٌّ، ومدى مطمحهم خلاء يختلونه، أو مرعى ينتجعونه- على عروش الأكاسرة والقياصرة، فأصبحت العمامة تملي على التاج المرصّع نظم الحياة وقوانين المجتمع، وسياسة الملك.

وبعد أن ألّف جيشا فدائيا جرارا يحارب بكتابه وفضائله، لا بكتائبه وفصائله، ويفتح الفتوحات بروحه وقلبه، لا برمحه ونبله، رمى به في وجه العالم بعد أن هذب حواشيهم، وزكى نفوسهم، فأفرغوا في أذن الدنيا كلمة الحق داوية مجلجلة، خضعت لجلالها وجمالها رقاب الممالك والدول، فرددت جنبات الأرض صداها من فوق المآذن والصُّمَع: الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. فأمسى شمل أمته مجتمعا، وجانبها مرهوبا، ووحدتها كاملة.

رأيي الخاص في بعوث النبي - صلى الله عليه وسلم - وغزواته قبل غزوة بدر الكبرى

ما كان محمد ليرفع سيفا في وجه أحد، وقد بعثه الله رحمة وسلاما للعالمين، لو لم تقف في وجهه صفوف الفساد، كعَقَبَة كأداء تحول بينه وبين إيصال الخير إلى بني البشر، وما كان ليدفع بالنفوس البشرية التي جاء لإحيائها إلى أنياب الموت، ويقذف بها في أعماق الهاوية، لو لم يكن هناك من يحول دون نسمات الهداية، أن تهب على الذين لفحت وجوههم نيران الكفر وسفعتهم سَموم الظلم والقهر؟

ما كان ليعمد للقتال لو لم يكن ثمة إبقاء للإنسانية في ليل بهيم، ليس له نهار، وإلقاؤها في هوة سحيقة ما لها من قرار؟

٣٤ / ١٤٢