محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو
الجزء ١ · صفحة ٣٥وما كان ليُهريق دماء طالما حقنها لو لم يهدرها أهلها. بما فتنوا من مؤمن في دينه، ومن مخلص في عقيدته؟ وما كان ليستبيح أموالهم ويروعهم في ديارهم لو لم يخرجوه هو وأصحابه من ديارهم ويستبيحوا أموالهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، ولو لم يظلموا ﴿ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا ﴾(1) .
لا جرم أن نره يتجافى القتال وأسبابه، ما أمكنه، ويرغب عن قتال أعدائه حرصا على اقتلاعهم، وطمعا في إيمانهم. ثم لا يدع أن نراه يعتبر القتال آخر علاج للأمم والجماعات، كما اعتبر الكيّ آخر علاج للأفراد. وهل القتل أو القتال إلا كيّ في أبلغ معانيه؟
إذا لم يكن إلا الأسنة … مركبا … فما يسع المضطر … إلا ركوبها.
على هذا جرى عمل الرسول - صلى الله عليه وسلم - أول أمره، فإن من يمعن النظر في سراياه وغزواته الأولى التي سبقت غزوات بدر الكبرى، وتأملها من نواحيها المتعددة. من جهة عدد مقاتليها، ومن جهة وصاياه لها، ومن جهة إرسال البعض منها، ومن إظهار سروره وشكره لمجد بن عمرو الجهني، الذي حاجز بين المسلمين وأعدائهم، ومن التصريح أخيرا لبعض سراياه بعدم القتال، كما صرّح بذلك لعبد الله بن جحش، إذ قال له: «ما أمرتكم بالقتال في الأشهر الحرم»(2) .
(1) – سورة النساء، آية: 75.
(2) – أنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - على عبد الله بن جحش قتله لعمرو بن الحضرمي، في الأشهر الحرم. ينظر تفاصيل قصة: سرية عبد الله بن جحش في كتب السيرة والسنن، وفي كتب التفسير في قوله تعالى ﴿ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ﴾ الآية. وقد نزلت بهذه المناسبة.