محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو
الجزء ١ · صفحة ٣٧على أننا لو استعرضنا قائمة غزواته واستنطقناها، وخذ لك "غزوة ودّان" التي يجب أن تحتوي على عناصر الظفر وموجبات النصر، وتراعىَ فيها الاعتبارات من كل الجهات، لأجابت بصوت عال: "إن المقصود مني مجرد الإرهات وإدخال الرعب على القلوب، لا القتال وسفك الدماء". فقد أثبت التاريخ أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - خرج لهذه الغزوة لاثني عشرة ليلة خلت من السنة الثانية، ومعلوم أن ذلك كان في المحرّم، والمحرم من الأشهر الحرم، وما كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - لينكر على عبد الله بن جحش ما سبق أن فعله - صلى الله عليه وسلم - قبلُ بشهور، لو أراد بغزوته القتال حقيقة. ضرورة أن سَرية عبد الله بن جحش، كانت في رجب من السنة الثانية.
ولا يقال، يحتمل أن يمضي الرسول بقية الشهر في الطريق والتحضير حتى إذا استهل صفر، نفّذ ما إليه انتقل. لكننا نقول إن هذا الاحتمال لا يتم بعد أن ثبت بالنقل الصحيح أن الرسول رجع إلى المدينة بعد مضي خمسة عشر ليلة من خروجه. هذا إذا حملنا الأمر على ظاهر ما جرى عليه المؤرخون، أما إذا حملنا خروجه من أول الأمر على ما نسبه بعضهم، كان لمصالحة بني ضمرة. أما تظاهر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه يقصد معارضة عير قريش، فمحاولة لا يقصد منها ظاهرها قطعًا، وإنما اتخذها ذريعة إلى أمور:
1. تعمية الأمر على أعدائه، سيما الداخليين كاليهود والمنافقين ومشركي العرب المجاورين له في المدينة، كيلا يتقفّوا آثاره، ويقفوا على حقيقة أمره، عملاً بحكمته الخالدة «استعينوا على حوائجكم بالكتمان»(1) .
2. إرهاب قريش التي هي غرضه الوحيد.
3. تهديدهم -من وراء ذلك التظاهر- بالقوة حتى لا تسول لها نفسها مظاهرة أعدائه الخارجيين، أو القيام بحركة عدائية استقلالا في الداخل.
(1) – الحديث أورده ابن عبد البر، في التمهيد، ج10، ص152.